آخر تحديث: 22 / 9 / 2018م - 9:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشك المنهجي

وديع آل حمّاد

عندما ندقق في واقعنا الديني المعرفي، نجده في حالة اللاحسم، يتجاذبه طرفان: طرف يعمل جاهداً على إبقاء الواقع الديني على حالة المحافظة وعدم تسرب مفاعيل نزعة التفكير الحر إليه، وطرف آخر ينزع نحو التفكير الحر.

السؤال القائم هنا: هل المعرفة الدينية بحاجة إلى يقظة عقلية قائمة على التفكير الحر، توقظ الناس من نومهم وسباتهم العميق، ويخرجوا من عنق زجاجة الجمود والنكوص المعرفي، ويستفيقوا على واقع فكري معرفي جديد؟

المعرفة الدينية واقع مسلط عليه الأضواء، تصاحبه ظاهرة إصلاح وتجديد الواقع الديني، لا يمكننا تجاهلها أو نغمض أعيننا عنها، فهي بازغة كبزوغ الشمس في رابعة النهار.

وعلى هذا الوقوف في معسكر المحافظين الحريصين على إبقاء الواقع الديني في حالة سكون وجمود وتبعية للموروث في التفكير، يجعلنا نقف أمام طوفان نزعة التفكير الحر الجارف. فماذا نصنع أمام هذا الطوفان الجارف؟ هل نملك مقاومة صده، أم نتركه يجرفنا؟

هذا التساؤل من أصعب التساؤلات التي واجهتني في مسيرتي الفكرية المعرفية الدينية. إذ بعد أن حسمت أمري بأن التجديد والإصلاح في المعرفة الدينية بات أمراً ضرورياً لا مفر منه، لا غنى للمجتمعات المتدينة منه، شمرت عن ساعدي للإطلاع على عالم التجديد والإصلاح الديني والغوص في أعماق بحاره، فوجدته عالماً حافلاً بأطروحات كثيرة متناقضة ومتباينة في

إيديولوجيتها ومنهجيتها ورؤيتها وغايتها، وجميعها تحمل عنوان التجديد والإصلاح.

هذا التباين بين هذه الأطروحات الموسومة بعنوان التجديد الديني يدفعني إلى قراءتها قراءة تأملية معمقة حذرة لئلا تكون متبنياتي تتسم بالتبعية وأكون أشبه بالببغاء أردد أشياء لا أعيها ولا أفهمها ولا أحيط بكنهها.

إشباع حاجتي العقدية والمعرفية دخلت مرحلة اللاعودة، فلابد من العمل على تحصيل الإجابة عن التساؤل الذي أختلج في نفسي، الذي يتعلق بموقفي من الزخم الهائل لأطروحات التجديد. فهل ألجأ إلى مغامرة فكرية تتجاوز جميع الأطر المعرفية الدينية الموروثة قوامها الإثارة والتشكيك؟

الرغبة في التجديد المعرفي والإصلاح الديني تحذوني وتستحثني على الخطى إلى الأمام بتفعيل مفردتي الشك والإثارة. ولكن أي نوع من الشك ينبغي علي توظيفه؟ هل الشك المنهجي أم الشك العقدي الفلسفي؟

أنا أمام مائدة تجديدية معرفية دينية متنوعة في توظيفها للشك، بعضها تتخذ من الشك الإيجابي منهجاً لبناء الهيكل المعرفي العقدي للإنسان المسلم، وبعضها تتخذ من الشك فلسفة وعقيدة، فتجد الشك الفلسفي يسري في كل مفاصلها وعروقها، ولا تذخر وسعاً من أجل تحقيق غاياتها المتمثلة في خلق اهتزازات غير مسبوقة في عقائد ومسلمات الناس، فيكون لهم موقفاً سلبياً من الدين.

مثل هذه الأطروحات التي تعمل على زرع الشك في نفوس الناس البسطاء اتجاه عقائدهم وأصولهم المعرفية غايةً وهدفاً لا منهجاً وطريقاً ينبغي أن نكون بمنأى عنها ، أما ذات الطابع المنهجي الشكي فينبغي أن تكون موضع قبول لدينا، مادامت تعمل على هز العقل واثتثارته وإيقاظه من نومه وإبعاده عن التبعية والتقليد والجمود، ويجعلنا في بحث دؤوب يوصلنا إلى اطمئنان ويقين، وننعم بوارف ظلال التفكير الحر العقلي المنفتح.