آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 12:32 م

ديمقراطيات على المحك

محمد الحرز * صحيفة الشرق السعودية

من أهم التعاريف التي تتصل بمفهوم الديمقراطية، وتقاس بالتالي عليه مدى اقتراب الدول من تطبيق الديمقراطية أو الابتعاد عنها، هو الدستورية وهي تحديداً مجموع القوانين والتشريعات التي يسنها نظام الحكم حول الأنشطة السياسية في البلد الذي يحكمه، ويرفد هذا التعريف تعريف آخر يتصل به من العمق وهو المنظور الإجرائي للديمقراطية أي مستوى تحقق اللعبة الانتخابية وشروط نزاهة مؤسساتها.

ويرى كثير من السياسيين أن معيار الدستور في معرفة ديمقراطية هذه الدولة أو تلك، له فوائد عديدة تتعلق بالمقابلة والتمييز بين ملكيات دستورية، أو أنظمة رئاسية أو تنظيمات برلمانية أو ما يخص المقاربات التاريخية بين الدساتير وصيغ تطبيقاتها على أرض الواقع.

وهناك أكثر من ثلاثمائة منظمة مدنية تنتشر حول العالم تهتم بالحريات والحقوق، وتتخذ من الدستورية أحد أهم المعايير التي تقيس بها ديمقراطية الدول.

منظمة بيت الحرية «freedom house» هي إحدى أهم المنظمات غير الحكومية التي تدعم وتنشر وتراقب مستوى الحريات السياسية ومستوى حقوق الإنسان حول العالم، التي مقرها واشنطن دي سي. وتقاريرها السنوية تشكل مورداً أساسياً لكثير من العلماء والباحثين والمؤسسات الدولية، رغم الطعون والشبهات التي تشكك في مصداقيتها وأهدافها وغاياتها كونها تخدم السياسة الأمريكية بتمويل من وزارة خارجيتها.

النظر إلى الديمقراطية عن طريق الانتخابات، بما تتوافق والتشريعات الدستورية هي المعيار الذي تبني عليه هذه المنظمة تقييمها لمسار الديمقراطيات للدول. لكن الباحث في علم الاجتماع تشارلز تيللي في كتابه «الديمقراطية» الصادر عن المنظمة العربية للترجمة يرى أن هذا المعيار فيه خلل ظاهر، وبموجبه لا يمكن استيعاب أشكال الحكم الأخرى التي حقق في ظلها الإنسان رفاهيته، وأصبح يتمتع بقدر من الرخاء والأمن، رغم انخفاض منسوب الديمقراطية عند البعض، وانحسارها عند البعض الآخر. ويستدل على ذلك بأنموذجين من الدول قامت المنظمة عام 2005 بإصدار تقييمها حولهما هما كازاخستان وجامايكا.

وصف تقرير المنظمة كازاخستان بالبلد الذي لا يتمتع بالحرية، وحين تستعرض المادة الأولى من الدستور تجد فيه أن «جمهورية كازاخستان دولة ديمقراطية علمانية اجتماعية وقانونية قيمها العليا هي الفرد المواطن وحياته وحقوقه وحرياته».

هذه المفارقة تترسخ أكثر حين نعرف أن الرئيس نور سلطان نزارباييف أحكم قبضته على السلطة وعلى مؤسساتها، وأضعف معارضيه وقسا على خصومه، وقرب أفراد أسرته عن طريق تقليدهم المناصب المهمة في البلد. ولم تكن الانتخابات سوى انتخابات صورية خداعة، فقد فاز على التوالي بثلاث فترات رئاسية وبنسب تتجاوز نسبة 90%.

لكنه بالمقابل أسس لسلطة قوية بمواصفات ديمقراطية ضعيفة. بينما تبدو جامايكا هي بلداً حراً في نظر تقرير المنظمة باعتبار رعاياه يتمتعون بحقوق وحريات مكفولة، وبانتخابات نزيهة وقضاء مستقل، رغم عدم ذكر الديمقراطية صراحة في دستورها. لكن بنية السلطة ضعيفة فيها، فقد انتشرت الجريمة بمعدلات كبيرة، وتفشت فيها البطالة والعنف ضد النساء وقلت الاستثمارات وكثرت السرقات وتهريب المخدرات.

يلاحظ الباحث من خلال «حالتي كازاخستان وجامايكا أن التناقضات الواسعة بين المبادئ المعلنة والممارسات اليومية غالباً ما تجعل من الدساتير وسائل للتضليل». وهو في معرض ملاحظته يتساءل «إذا كان نظام حكم ما فقيراً مدقعاً ولكن مواطنيه يتمتعون بالمساواة في خطوطها العريضة، فهل نعده أكثر ديمقراطية من نظام حكم أقرب إلى الازدهار ولكنه على مسافة بعيدة من المساواة؟».

ويقترح من خلال إجابته على السؤال بمعيار مختلف عما تطرحه منظمة دار الحرية في تقييم الديمقراطيات. يبدأ من التعريف بالديمقراطية بوصفها «نوعاً معيناً من العلاقات بين الدول والمواطنين فيها، وعليه يضع أربعة عناصر إجرائية يقيس من خلالها مسار الديمقراطية وهي: الاتساع، المساواة، الحماية، مشاورات الالتزام المتبادل. وتعني على التوالي: اتساع الحقوق إزاء تقلصها، انعدام المساواة أو شموليتها للمواطنين كافة، ضعف الحماية المكفولة للمواطن من طرف الدولة أو قوتها، والأخيرة لا تعني سوى الثقة المتبادلة بين المواطن ورجالات الدولة المبنية على المنفعة لكل طرف.

وبناء على هذه العناصر الإجرائية يقارب بعض التجارب الديمقراطية في العالم مقارناً ومحللاً. لكن دعوني أتساءل هنا عن جدوى مثل هذه الدراسات العميقة حول الديمقراطية بالنسبة للعالم العربي الذي لا يملك رصيداً تاريخياً في الديمقراطية، ناهيك عن خطاب معرفي حول إشكالياتها وتحولاتها؟ في ظني لها جدوى من ناحيتين: الأولى إيجابية والأخرى سلبية، إيجابية مثل هذه الدراسات أنها تكشف عن التعاضد الضمني القائم بين دور المؤسسات المدنية من جهة، وبين شتى الخطابات المعرفية التي تنتمي إلى حقول شتى من علم الاجتماع إلى التاريخ إلى الفلسفة والدين، وهذا التعاضد يراكم الخبرات في سبيل تطوير أنموذج ديمقراطي يساير تطور المجتمعات، بما يتوافق وقيم الحرية والحقوق.

يضاف إلى ذلك التقليل من ضخامة الفكرة الهاجس في أذهان كثير منا، والتي تشير إلى ارتباط ترويج الديمقراطية بالاستعمار الغربي، رغم أنني لا أنفيها تماما. فالمعرفة التي تقدمها مثل هذه الدراسات حول الديمقراطية فائدتها تذهب لعموم البلدان التي تنشد الحرية والديمقراطية.

أما سلبيتها فإنها تكشف عما هو مسكوت عنه في بعض الدساتير الغربية عن معضلات وأزمات اجتماعية وحقوقية تمس دولها من العمق، والمسكوت عنه هنا لا يعني التضليل الذي أشار إليه الباحث هناك في دراسته، فالثاني يحجب الأول من خلال موضوعية الطرح وعمقه المعرفي، بحيث لا يمكن الشك بوجود ثغرة أخرى تعتري تلك الدساتير، وهذا هو الحال مع دساتير الديمقراطيات الغربية.

يمكننا هنا أن نكتشف مع باحث آخر جزءاً من هذا المسكوت عنه، وحول مسألة محددة وهي واقع المسألة الدينية. الباحث هو سعيد ناشيد حيث يلاحظ أن هذه المسألة لم تجد طريقاً للحل في تلك الدساتير بما يتوافق وقيم التنوير والعقلانية الغربية، بل ظلت تتعقد من فترة إلى أخرى حسب التحولات الاجتماعية والثقافية في قيم الحقوق والحريات وعلاقتها بالدين التي طالت أوروبا في العقود الأخيرة. وهو يرى أن «حجم التفاوت في المعايير والتباعد في المقاربات» من أهم الأسباب التي أدت إلى تأزيم المسألة. فالدستور الألماني على سبيل المثال يشير إلى كلمة الله من غير إحالة إلى دين من الأديان.

وإذ يعترف الدستور الإيطالي بانفصال الدولة عن الكنيسة، إلا أنه يحتفظ بصلاحيات سيادية واسعة تبعاً لاتفاقية تاريخية بين الطرفين. والدستور الأمريكي يلوذ بالصمت عن تحديد أية علاقة بين الدين والدولة». هذا فيض من غيض، لا يدعو مجالاً للريبة أو الشك أن الإلمام بمثل هذه الإشكالات، ومحاولة تأملها وفحصها نقدياً، سيؤدي بالباحثين خصوصا العرب منهم إلى تلمس الطريق الصحيح نحو الديمقراطية ذات السمات العربية تحديداً.

والحراك العربي في هذه اللحظة التاريخية يرسخ مثل هذا الطريق.