آخر تحديث: 3 / 7 / 2020م - 7:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

غاب الضمير في زمن اللا ضمير

غاب الضمير عن منظومة القيم الأخلاقية في الكثير من المجتمعات العربية، وأصبحت قيم الكذب والنفاق والرياء الاجتماعي قناعةً وسلوكاً يغطي على النزاهة والنخوة، وبات التسلق والصعود على أكتاف الناس والتظاهر بصفات الشرف والأمانة متقبلاً ومرحبًا به بين الناس.

الضمير هو مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي تسيطر أو تتحكم في أعمال الشخص وأفكاره، وهو يشمل الإحساس الداخلي بكل ما هو صحيح أو خاطئ في سلوكه أو دوافعه، وهو ما يدفعه للقيام بالعمل الصّحيح.

إن البشر الذين نتعامل معهم كل يوم مهما اختلفت أعراقهم وأجناسهم، لديهم الاستعداد لارتكاب أفعال شنيعة لو أُتيحت لهم الفرصة، طالما ليس لديهم ضمير أو رادع أخلاقي داخلي، فالضمير هو العينان اللتان نرى بهما كي لا نقع في حفر الحياة، حين نرمي بأنفسنا في المغامرات التي تدعونا إليها، وهو الأُذنان اللتان نسمع بهما صوت المؤذن الذي يعلو بين ضجيج الأصوات.

إن الأسرة والمدرسة والمجتمع بجميع مؤسساته المتخصصة بشؤون تربية الصغار، تتحمل الكثير من الأعباء في تربية وصقل حياة الإنسان، وإلى ما تغرسه في أعماقه من قيم ومُثل توجه سلوكه وتصرفاته إلى حب الآخرين، وإلى ثقافة التسامح والاعتذار، وكلما اقترب داخل الإنسان من الضمير أصبح لديه تصوراً أعلى لهذه المفاهيم، ويحدد الضمير درجة نزاهة الفرد، وهو أعلى سلطة فيه الذي يقيّم المعلومات التي يتلقاها الإنسان، ثم يحدد طبيعة التصرف إن كان خيراً أو شر.

إن الإنسان عندما يشعر بالتأنيب والندم نتيجة ارتكاب أي خطأ يحاول تجاهل هذه المشاعر، ولكنها تظل تلاحقه وتشعره بالألم والقلق، فذاك الذي يتمادى في ظلم الآخرين، وذاك الذي يجعل من عمله وسيلة للكسب غير المشروع، وذاك الذي يمارس السرقة، جميعهم لا يشعرون بالسعادة مهما أظهروها تصنعاً، وكذلك الحال للذي ينجر وراء غرائزه الحيوانية ويمارس الأعمال غير الأخلاقية في مجتمعه سوف يندم وتظل لعنة الناس له تلاحقه.

عندما تفتش اليوم عن أسباب القضايا التي تدور في أروقة المحاكم ومنها مشاكل الطلاق والخلع بين الزوجين التي زادت في المجتمع وظلت معلقة دون حل، والقضايا الأخرى ترى أن أكثرها بسبب غياب الضمير، وعندما تفتش عن أسباب المشاكل بين العوائل في المجتمع، وعن معرفة أسباب فراق أو خصام الأصدقاء، وكذلك عن أسباب أكثر مشاكلنا الإجتماعية تجدها بسبب غياب الضمير.

إذاً حين يموت الضمير تهاجر الحمامات البيضاء من المكان ولا يبقى فيه إلا الغربان التي تنعق صباحاً ومساءً، وحين يموت الضمير تغفو العقول، وتثور الأحقاد، وتتعطل إنسانية الإنسان، وتفقد حواسه قيمتها، وحين يموت الضمير يُصبِح كل شئ مباح: كلام الزور، الخيانة، الغدر وغيرها. والضمير شمعة في قلب كل إنسان إن أشعلتها لربما تتألم قليلاً من حرارتها....! لكنها ستنير لك الطريق.

خلاصة الكلام هو: أن الضمير أُم تحمل قنديلاً بين يديها تضيء به الطريق لصغارها كي لا يقعوا في حفر الحياة، الضمير أَب يحمل لصغاره قوتاً من الصبر عند الغروب، وخبزاً من القيم مغموساً بزيت من الحب، والضمير هو كل ما تدخره للأيام التي ينقطع فيها المطر، وحين تذبل الأشجار وتنشد العصافير فوقها ألحاناً أُخر بعد أن تهجر غصونها التي دمرها عديمو الضمير.