آخر تحديث: 15 / 10 / 2018م - 11:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

مبادرة ترمب الأخيرة

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

قد يخطر لكم أن الحديث هنا عن حربه التجارية المستعرة مع الصين، و”التشابك“ مع أوروبا حول من يستطيع الصمود إلى النهاية في تحدي التعرفة الجمركية فتكون له الكلمة الأخيرة، لكنها مبادرة داخلية بحتة؛ فهي ليست تجارية أو صناعية صِرفة، بل تتعلق بالشأن الاجتماعي - الاقتصادي الأهم، وتنطوي على الاستعداد للمستقبل. تقوم المبادرة التي سماها البيت الأبيض ”تطوير قوة العمل“ على تقديم الشركات والمنظمات المهنية تدريبا وإعدادا للطلاب والداخلين الجدد وإعادة تأهيل لمن هم في سوق العمل بما يمكنهم من الصمود لسنوات تشتد فيها وتيرة الأتمتة وتستعر سطوة الروبوتات. وبالفعل، فقد وقعت الشركات تعهدا لتدريب وتأهيل وإعادة تأهيل وتوظيف 3,8 مليون أمريكي على مدى خمس سنوات، ومن ضمنها عملاق التجزئة شركة ”وولمارت“ التي تعهدت بمفردها بتوفير مليون فرصة.

 ومع ذلك، فصلب المبادرة ليس مزيدا من وظائف تجارة التجزئة، بل توفير أعداد أكبر من الأمريكيين لوظائف المستقبل، من خلال: تعهدات الشركات من جهة، ومجلس للعمالة من جهة، ومجلس استشاري من القطاع الخاص، والخبراء من جهة ثالثة. ولماذا كل هذا القلق الأمريكي وسوق العمل هناك تعيش عصرا زاهيا، مدعمة بنمو الناتج المحلي الإجمالي وتحسن معدل توليد الوظائف وانخفاض معدل البطالة؟! الخوف أن يفقد الأمريكيون أعمالهم بسبب إحلال التقنية، أو بسبب تراجع إنتاجية العامل الأمريكي، مقارنة بالاقتصادات الأخرى في العالم. والحديث عن الحاجة إلى تدريب وتأهيل وإعادة تأهيل تواكب أعمال المستقبل، ليس تنظيريا، بل صلتهُ بالواقع مُثبتة؛ فنحو 20 في المائة من عدد الوظائف الحالية في الاقتصاد الأمريكي لم تكن موجودة قبل نحو أربعة عقود عند بزوغ عصر التقنية المرتكزة إلى الحاسب الآلي، بما يعزز أنه في السنوات القليلة المقبلة سيمحو الاقتصاد الرقمي وظائف تقليدية بوتائر أشد، وعليه، فإن الشركات خالية الذهن من تنفيذ برامج إعادة تأهيل لموظفيها قد تجد نفسها على ”الرصيف“! والحديث هنا ليس بالضرورة فقط عن وظائف التصنيع والتقنيات العالية، بل يشمل أبسط الوظائف التي لطالما كانت مرتبطة بالبشر، كوظائف البيع في محال التجزئة. الأمر اللافت في مبادرة تطوير قوة العمل تلك، أنها ممولة بالكامل من القطاع الخاص، فحاجة الشركات لأن تكون الأعلى تنافسية، كحاجة أي منا ليكون الأفضل لياقة وقوة بما يمكنه من الاستمرار وبَز الآخرين. أما وظائف المستقبل فستكون من نصيب المستعد، فالحكمة الشائعة تقول ”النجاح من نصيب المستعد“.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار