آخر تحديث: 13 / 12 / 2018م - 12:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

من سؤال الحقيقة إلى سؤال المعنى

محمد الحرز صحيفة اليوم

في عالم اليوم، لم يعد سؤال الحقيقة هو المهيمن على الإنتاج المعرفي، فالعلوم الإنسانية بجميع فروعها من فلسفة واجتماع وعلم نفس تخلت تماما عن الإرث القديم الذي يمثل هذا السؤال قلبه النابض، وذلك منذ سقراط وأفلاطون، مرورا بعصر الأنوار، ونهاية عند نيتشه. لقد تم استبدال هذا السؤال بسؤال آخر في المعرفة المعاصرة، هو سؤال المعنى والقيمة والوظيفة والفهم، وهو ما يعني تحولا كبيرا في الموقف وانفراجا في زاوية النظر إلى العالم والحياة والكون والإنسان والمعرفة ذاتها. فإذا كان سؤال الحقيقة لم ينتج عبر تاريخه سوى الحروب والعنف والهيمنة والتمركز على الذات «خصوصا في سياق الحضارة الغربية»، فإن البحث عن معنى الأشياء وقيمتها بالنسبة للعالم والإنسان والمجتمع هو انقلاب في التفكير ورد فعل ضد ما آلت الأمور تحت ستار هذا السؤال. وليس هذا الانقلاب في وجه من وجوهه المتعددة سوى تاريخ تحولات الفكر من الحداثة إلى ما بعدها.

وأوضح مثال يعكس مسيرة التحول هو انبثاق فكرة الاختلاف وارتقائها من مصاف دلالتها اللغوية إلى مصاف دلالاتها الفلسفية، حيث اعتبرها العديد من الفلاسفة مشروعا تنويريا يسعى لتفكيك المركزية الغربية، منهم: جاك ديريدا، وجيل ديلوز، وإيمانويل ليفيناس، ومارتن هيدجر. وإذا كان التفكيك هو إحدى أهم وظائفها عند هؤلاء الفلاسفة فإن المغزى من هذا التوجه لا يمكن فصله عن المؤثرات التي مارستها ثورة الاتصالات واكتشافات العولمة وفتوحاتها العلمية بحيث لم تبق المجتمعات والثقافات والعلاقات الإنسانية بمنأى عن تيارها السريع والجارف، فمفهوم الخصوصية والهوية على سبيل المثال هي من المفاهيم التي اندرجت تحت سؤال الحقيقة وارتبطت به من العمق، ففي هذا السياق دائما ما يتم التساؤل بهذه الصيغة: ما هي خصوصيتك الاجتماعية أو الثقافية؟ أو ما هي هويتك؟ وكأن خلف دلالة هذا السؤال ثمة حقيقة ثابتة لم تتغير من خلالها ثقافة الإنسان ولا ثقافة مجتمعه ولم يطالها الزمن بحركته الدؤوب، وكأن هوية الفرد كذلك منذ مولده إلى مماته لا يطالها التحول أو التبدل في مجرى التاريخ. لكن مع مجيء تلك المؤثرات أصبح السؤال يصاغ كالتالي: ما معنى الخصوصية وما تمثلاتها. وما القيمة التي تضفيها هذه الخصوصية على حياتك؟ أو أي الهويات التي تمثل المعنى في مرحلة معينة من حياتك، وأيها التي انزاحت؟

إن هذا الانزياح في الأسئلة سببه بالتأكيد انكشاف هشاشة الخصوصيات والهويات على مستوى الثقافة والاجتماع والمعتقد والانتماء، وانكشاف - أيضا - الادعاءات الزائفة بقدرتها على التماسك أمام الموج العاتي لتلك الثورة، لذلك لم يعد الإنسان عاريا أمام نفسه والآخر، بل حتى أمام ماضيه وتاريخه، كذلك لم يعد بإمكانه الكلام بوثوقية مطلقة، ولا بيقينة راسخة الجذور في خطابه، وكما يقول نيتشه لا توجد حقيقة واحدة، بل حقائق تنهض على رافعتين: رافعة التأويل من جهة، ورافعة قوة السلطة وإرادتها من جهة أخرى.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
صالح الشايع
[ الاحساء -الطرف ]: 10 / 8 / 2018م - 3:00 م
ان ماجرى و يجري في الاتكال على التاريخ وبما هو (حقيقة) عند البعض جعل واقعنا الحالي يمر بأقسى الاوقات الصعبة والتي يستدعي ان يقوم محلها فكر يسعى لجمع شتات التاريخ الذي تاه في اتون هذا البعد -الحقيقة- كما ان الشجاعة المتأتية من طرح مثل هذه الافكار ونشرها هي اول الخطوات الجدية في طرق ابواب المعرفة.