آخر تحديث: 20 / 9 / 2018م - 7:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

الطلاق.. هل هو مشكلة فعلاً؟

علي محمد الحمد

قد لا تكون هناك طريقة واحدة مثالية لاختيار شريك الحياة في مجتمعاتنا المعاصرة، ولهذا نجد انفصال الشركاء الزوجيين شائعاً في كل المجتمعات البشرية من الشرق إلى الغرب، بغض النظر عن طريقة اختيار الشريك، سواءً كان زواجاً تقليدياً مدبراً عن طريق الأمهات أو زمالةً في الدراسة أو العمل أو حتى لقاءً عن طريق مواقع المواعدة الحديثة. وهذا الأمر يتجلى بوضوح في إحصائيات الإنفصال والطلاق والوالد المنفرد Single Parenting في جميع أنحاء العالم. وبالرغم من تفاوت نتائج هذه الإحصائيات بين الدول، فإن هناك تصاعداً في نسب الطلاق مع مرور الزمن في جميع الدول تقريباً. طبعاً، هناك من يلوم انخفاض التدين أو انعدام الشعور بالمسؤولية لدى الجيل الجديد أو التغريب أو الغلاء أو غيرها من التفسيرات الشائعة والمكررة. ولكن أحد الأسباب المهمة للطلاق، والمشتركة بين أغلب هذه المجتمعات، هو العزلة الاجتماعية النسبية التي أصبح الناس يعيشونها في المدن وما نتج عنها من تغيير لنظرة كل من الشريكين لمؤسسة الزواج وتوقعاته منها. ففي الماضي كان الناس بشكل عام يعيشون ضمن قرى وجماعات بشرية متماسكة وكان الزوج يقضي غالب وقته في العمل خارج المنزل، ويقضي وقت فراغه مع أصدقائه من الرجال أو في تلبية المسؤوليات الاجتماعية المختلفة من أفراح وأحزان. بينما تقضي الزوجة غالبية وقتها في القيام بعملها في المنزل أو في الحقل وبعد ذلك بزيارة جاراتها وصديقاتها وتلبية الواجبات الاجتماعية المختلفة. وكان لقاء الواحد منهما بالآخر مقتصراً في كثير من الأحيان على تناول الوجبات والنوم معاً. أما الآن فقد تقلص الوقت الذي يقضيه كثير من الرجال والنساء في العمل يومياً وأصبحوا يتمتعون بأوقات عمل منتظمة ومحددة بثمان ساعات وبإجازات أسبوعية مدفوعة وإجازات سنوية مدفوعة واختصرت الأجهزة الحديثة الأعمال المنزلية بشكل كبير مع توفر الماء في الأنابيب والحليب في الثلاجة وقيام الأجهزة بغسيل الملابس والصحون وأتاحت بالتالي المزيد من وقت الفراغ في حياة الأشخاص. في نفس الوقت، تقلصت الدائرة الاجتماعية التي يعيش غالبية الناس في ظلها. فلم يعد الكثير من الناس يعيشون بين أقاربهم وأسرهم الممتدة، أو في قراهم أو ضمن قبائلهم التقليدية وبذلك تناقصت مسؤولياتهم الاجتماعية وزاد الوقت الذي يقضيه الزوجان مع بعضهما وزاد احتكاكهما مع بعضهما وزادت حاجتهما لبعضهما. فبدلاً من أن يكون الزواج شراكة معيشية وجنسية بالدرجة الأولى، كما في السابق أصبح على الشريك أن يكون مربياً وزوجاً ومُعيلاً وحبيباً وصديقاً ومعالجاً نفسياً ودائرة اجتماعية في نفس الوقت وهذا ما يسميه البروفسور إيلي فينكل Eli Finkel في كتابه، ”الزواج المثالي أو لا شيء: كيف تعمل أفضل الزيجات“، بتضخم التوقعات. حيث تضخمت مع الوقت توقعات الشركاء الزوجيين من أزواجهم ومتطلباتهم تجاههم، وتقلصت في نفس الوقت الدائرة الاجتماعية التي كانت تعينهم على تلبيتها، بما يصعب معه العثور على شخص واحد قادر على تلبيتها بمفرده. بتعبير آخر، يمكننا أن نرى أن الارتفاع في معدلات الطلاق في عصرنا الحاضر لا يدل بالضرورة على أن الزواج كان أكثر نجاحاً في الماضي، وإنما يدل على أن معايير النجاح ومتطلباته كانت منخفضة وما يتوقعه كل طرف من الآخر كان محدوداً وبالتالي كان من السهل تلبيته.

ما الحل إذاً؟ وهل يمكن تقليل نسب الطلاق في عصرنا الحديث؟؟

إذا لم يكن الطلاق مشكلة، فليس هناك حاجة للبحث عن حل لها. من الواضح أن توقعات البشر قد ارتفعت في جميع نواحي الحياة وليس فقط في الجانب الزوجي والأسري، وما كان يُعتبر في زمنٍ سابقٍ ترفاً أصبح يُعتبر في زمننا الحاضر ضرورة. فأصبحنا نتوقع دائماً أن نحصل على المياه النظيفة والطعام الساخن والمنزل الدافئ والسيارة المريحة والملابس الجميلة والأجهزة المنزلية والاتصال بالإنترنت وغيرها. وعلى الرغم من أن نصف سكان الأرض عاجزون عن توفير بعض محتويات هذه القائمة أو كلها، إلا أنه أصبح من غير الممكن لنا أن نخفض توقعاتنا هذه ونقبل بحياة لا تؤمّنها. وأي قصور في حصولنا على هذه المتطلبات سيثير فينا شعوراً بالضيق والانزعاج والتذمر قد يدفعنا لتغيير أعمالنا أو الهجرة من بلداننا لتلبيتها. وهذا ما يحدث تقريباً في الزواج الذي لا يلبي تطلعاتنا ويسبب لنا البقاء فيه شعوراً مستمراً بالضيق والانزعاج والتذمر. ولذلك ربما قد حان الوقت أن نقبل بالطلاق كجزء طبيعي من دورة العلاقات البشرية مثله في ذلك مثل الزواج نفسه. ونتوقف عن إحاطته بتلك الهالة الإجتماعية المنفرة. ونحاول في نفس الوقت تقليل آثاره الجانبية على الأسرة أولاً بتأخير إنجاب الأطفال لبضع سنوات وذلك حتى يتأكد الزوجان من قدرتهما على تلبية توقعات بعضهما البعض. وبذلك يصبح انفصالهما، إذا انفصلا، نظيفاً دون أي تبعات مؤذية للأطفال. وثانياً بتوقع إمكانية حدوث الطلاق منذ البداية والاستعداد له والتفكير جيداً في دواعيه ومبرراته، وفي مرحلة أخرى تسهيل الوصول إليه بالنسبة للطرفين في حال دعت الحاجة له حتى لا يبقى أحدهما عالقاً «أو معلقاً» في زواج تعيس لا يلبي أدنى احتياجاته.

ولكن، هل هذا يعني أنه لا يمكن إصلاح الزواج المتعثر؟؟ وأنه على الزواج أن يكون مثالياً أو لا يكون؟؟

ليس بالضرورة، فمن الممكن جداً أن يجد الإنسان طريقاً لإصلاح علاقة زوجية بدأت بشكل سيء. إما بأن يحيط نفسه بدائرة من الأصدقاء والعلاقات الصحية التي توفر له الدعم النفسي والاجتماعي والمهني الذي يحتاجه، أو بتخفيض توقعاته فلا يحمل شريكه فوق طاقته، أو باللجوء لمستشار زوجي يساعده في تغيير بعض جوانب تذمره. بل ويمكن للواحد منا أن يجد طريقاً للسعادة في زواج غير مثالي، فمن منا حياته مثالية أصلاً؟!