آخر تحديث: 17 / 11 / 2018م - 5:26 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المجتمع وتنمية أفراد يدينون بالولاء له ويعززون موقعه

أديب أبو المكارم *

تغير أنماط الحياة الحديثة بحاجة إلى دراسة واجتهاد لأخذ ما هو حسن، وتلافي الأخطاء والثغرات التي من شأنها أن تقوض المجتمع. من هنا كان اختيار سماحة الشيخ الصفار في الليلة العاشورائية الثالثة لموسم محرم 1440 هـ بعنوان: الفردية وتعزيز الانتماء الاجتماعي.

المحور الأول: الفرد هو الأصل أم المجتمع؟

تتعدد آراء المفكرين حول علاقة الإنسان بالمجتمع. فهناك من يرى أن الإنسان مجبول على الحياة الاجتماعية. وآخر يرى أن الإنسان مضطر لأن يكون كائنًا اجتماعيًا، وإلا فمن طبعه يحب التحرر والمجتمع يقيد حريته. وثالث يرى أن الإنسان مختار، يدرك بعقله الفطري أن حياته تكون أفضل ويستطيع مواجهة تحديات الطبيعة ضمن الحياة الاجتماعية.

لكن هذا الاختلاف لا يترتب عليه أثر كبير ما دام هو كائن اجتماعي. والسؤال هل الأصل الفرد أم المجتمع؟

هناك ثلاث مدارس ونظريات:

الأولى: الأصل هو الفرد، وما المجتمع إلا مجموعة من الأفراد. فمن اللحاظ الوجودي الفرد أسبق، وتركيب المجتمع اعتباري وليس واقعي. وعلى ذلك قامت الرأسمالية التي تؤمن بالفرد، وأن مصالحه تكفل مصالح المجتمع والدولة، وأكدوا على الحريات الأربع التي يجب أن يتمتع بها كل إنسان في العالم.

هذا الإفراط في الحالة الفردية أدى بالحياة الإنسانية عند الغرب إلى تفاقم حالة الأنانية. فالإنسان غير معني بمصلحة الغير حتى ضمن عائلته، مما تسبب في التفكك العائلي والمجتمعي.

الثانية: الأصل هو المجتمع. لأن الفرد قبل المجتمع هو مشروع إنسان، وعاء فارغ، لا تتكون أحاسيسه مع الحياة إلا باندماجه في المجتمع. فهو إنسان بالقوة، ولا يكون إنسانًا بالفعل إلا ضمن الحالة الاجتماعية، وعليه قامت الماركسية، التي تعتبر الفرد آلة مسخرة للمجتمع وقوانين الدولة، وتصادر حرياته إلا في حدود ضيقة، وتلغي الملكية الفردية، فثروة الفرد للمجتمع والدولة.

الثالثة: نظرية التوازن. فلا إفراط في الفردانية على حساب المجتمع، ولا إلغاؤها لصالح المجتمع. وهي النظرية التي يتبناه الدين الإسلامي.

المحور الثاني: تنمية الروح الاجتماعية.

لا شك أن المجتمع الذي يحبه أبناؤه فيتبارون في خدمته والدفاع عنه يكون مجتمعًا قويًا، أقدر على مواجهة التحديات. خلاف المجتمع الذي يكون من طبع أفراده الأنانية وكل يضحي بمصالح المجتمع لكسب مصالحه الذاتية.

من هنا تبرز الروح الاجتماعية. ولكن كيف؟

1 اهتمام المجتمع بالفرد.

2 عطاء الفرد للمجتمع.

وحديثنا عن الأولى.

هناك مجتمعات تهتم بأفرادها. يشعر الفرد فيها بالاهتمام، بالرعاية والتقدير، فطبيعي يكون محبًا لمجتمعه. أما إذا عانى خلاف ذلك ينشأ وفي قلبه بغض لمجتمعه قد يتحول إلى عدوان.

فكيف يولي المجتمع عنايته بأفراده؟

أولًا: إشعار الفرد بالاحترام والاهتمام بدءًا من العائلة، ومراحل التعليم، والتعاطي الاجتماعي. فالعائلة التي ترعى أبناءها وتحترمهم تكون نفوسهم أقرب للسواء، خلاف من يعانون الجفاف والقسوة إذا تتكون لديهم عقد نفسية تفضي بهم إلى الإجرام في بعض الحالات. ونحن نقرأ تعاليم الدين كيف يؤكد على الاهتمام بالأطفال: «أولادنا أكبادنا.. صغارهم أمراؤنا». وكان من سنن الرسول ﷺ السلام على الأطفال، ويقول الصادق : «أحبوا الصبيان وارحموهم».

المجتمعات الحديثة الآن بفعل التكنولوجية والحياة العملية صرفت اهتمام الآباء والأمهات عن أبنائهم. وحتى في البيت حينما يجتمعون ينشغلون بهواتفهم، وقد نشرت الشرق الأوساط عن مظاهرة في ألمانيا لأطفال ضد آبائهم ورفعوا شعار: ”العبا معي وليس مع جوالاتكم“.

في هذه المرحلة تتكون شخصية الطفل فالاهتمام به يجعل نفسه سوية، وتجاهله يصيبه بالإحباط ونوبات الغضب والإجرام كما تشير البحوث العلمية. لهذا ينبغي على المعلمين كذلك مراعاة هذا الأمر حتى يخرجوا أجيالًا أسوياء.

الموظفون سيما من هم في الدوائر الحكومية بحاجة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة والتعامل الحسن مع المراجعين وتقديم الخدمات لهم وتسهيل معاملاتهم، لا أن يتعاملوا بتكبر وجفاء، معتبرين أن حاجة المراجع بيدهم. الموظف مسؤول أمام الله تعالى، وهو يتقاضى راتبًا من الدولة لخدمة الناس. ويحرم شرعًا على الموظف صرف شيء من وقت الدوام لمصالحة الذاتية على حساب المراجعين، حتى وقت الصلاة إذا كان فيه تعطيل لمصالح الناس وخارج حدود الوقت المتاح، فالأولى خدمة الناس. هذا إضافة إلى تعطيل المعاملات لكسب الرشاوى وهو سحت.

ثانيًا: الوقوف مع الفرد في حالات الضعف. تمر على الإنسان أزمات نفسية ومادية، كاليتم والفقر، وهنا لا بد للمجتمع ان يقف بجانبه.

المجتمع والقصاص:

الآن ومع توفر السلاح ونمط الحياة، والعنف الذي يتولد لدى الشباب بسبب الأفلام والشللية ولأسباب أخرى، يقدم الإنسان على ارتكاب جريمة القتل، ويكون حكمه القصاص. وهو أمر شرعه الله تعالى، ولا إشكال فيه، ولكن الذي شرعه حض على العفو كذلك ورغب فيه: «فمن تصدق فهو كفارة له».

نعم القصاص سبيل للردع. لكن قد لا يكون مناسبًا لكل حالة، وعلينا أن نبحث كل قضية على حدة، لا أن نرفض مسألة الشفاعة والوساطة في موضوع القصاص جملة وتفصيلًا.

الأمر الآخر هو مساعدة الفرد في تنمية أموره. ونحن نقرأ سير أهل البيت وكيف كانوا يتفقدون حوائج الناس، ويخرجون ليلًا بالجراب للإطعام والانفاق والبذل وقضاء الحاجات سرًا. وكم كانوا يوجهون الناس لقضاء حاجات بعضهم. فهذا أمر يعزز المجتمع ويقويه.

العوامية