آخر تحديث: 13 / 12 / 2018م - 12:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

استقلالية الفرد

حسن آل جميعان

ظل الفرد في مجتمعات العالم القديم مرتبطا بالجماعة، حيث سلطة الجماعة مهيمنة عليه إلى حد السيطرة التامة في بعض المجتمعات، لكن هذه الحالة بدأت في التلاشي تدريجيا، وأصبح للفرد مكانة مرموقة ومميزة ومحترمة ايضا، كل هذا جاء بعد نقاشات فكرية وفلسفية طويلة كان مدار النقاش فيها الفرد ومدى استقلاليته عن المجتمع الذي ينتمي إليه، ومقدار الحرية التي يتمتع بها الفرد داخل الجماعة وخارجها.

حيث سلط سماحة الشيخ حسن الصفار حفظه الله الضوء في محاضرته في الليلة الثالثة من المحرم لعام 1440 هجرية التي جاءت بعنوان ”الفردية وتعزيز الانتماء الاجتماعي“ إلى أبرز المدارس والنظريات التي جعلت من الفرد موضوعا لها وهي ثلاث:

النظرية الأولى: الأصل هو الإنسان.

النظرية الثانية: الأصل هو المجتمع.

النظرية الثالثة: نظرية التوازن.

في هذه النظريات الثلاث استقلالية الفرد فيها ما بين مد وجزر هناك من يطلق العنان للفرد في ممارسة حريته واستقلاليته في المجتمع حيث الفرد هو الأصل كالنظرية الأولى، وهناك من يحجم دور الفرد ويجعله أسيرا للجماعة والمجتمع الذي ينتمي إليه إلى حد ذوبان شخصيته في المجتمع حيث الأصل هنا المجتمع وليس الفرد وهذه النظرية الثانية، أما في النظرية الثالثة التي أطلق عليها الشيخ الصفار بالنظرية التي يتبناها الدين الإسلامي وهي التي توازن بين الفرد والمجتمع بحيث لا يذوب كل طرف في الآخر، ويصبح دور الفرد مكفولا دينيا واجتماعيا ومعنويا.

لكن عندما تأتي إلى النظرية الثالثة تجد أن هناك واقعا يقول غير هذا حيث الفرد في العالم الإسلامي لا دور له يذكر واستقلاليته أصبحت على المحك، والجماعة هي المهيمنة على خيارات الفرد مما جعل شخصيته لا اعتبار لها إلا من خلال وجوده في الجماعة، وبذلك يكون الفرد مجرد رقم ليس إلا، وهنا يبين الخلل بين النظرية والتطبيق والواقع المتخلف التي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية.

وحتى نقلص الفارق ما بين الواقع والمثال حث الشيخ الصفار المجتمع على تحقيق كرامة أفراده من خلال مساعدة الفرد في بناء حياته وتحقيق تطلعاته في التعليم وفرص العمل والزواج واحترام الكفاءة ومساندته في حالات ضعفه المادي والمعنوي. إذا تحقق ما أشار له فضيلة الشيخ الصفار نكون قد قطعنا شوطا في تحقيق معالم النظرية الثالثة نظرية التوازن، وإلا تصبح مجرد نظرية لا واقع لها.

ولذلك فإن الفرد والمجتمع أيهما الأصل علاقة جدلية بحاجة في عالمنا الإسلامي إلى مناقشة أوسع من أجل رفاه الفرد واستقلاليته بما ينعكس على المجتمع بالإيجاب والمنفعة، حيث ”المجتمع ليس سوى أفراده“ كما يشير المفكر الإيراني مصطفى ملكيان، إذا كان الفرد مبدع متميز حر فإن هذا سوف ينعكس بكل تأكيد على قوة وحيوية وتقدم أي مجتمع تكون فيه استقلالية وكرامة ورفاه الفرد محل اهتمام وتقدير واحترام، وبذلك نكون قد قطعنا شوطا كبيرا من أجل تحقيق وتعزيز جودة الحياة وشروط التقدم والتنمية في المجتمعات العربية والإسلامية.