آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 11:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

دراما بوليوود ومبدأ اللاعنف

علي جعفر الشريمي الوطن أون لاين

بعد إعلان الهند استقلالها في الخامس عشر من أغسطس 1947، ناقشت حكومتها برئاسة زعيمها العظيم «جواهر لال نهرو»، أهم التحديات التي ستواجه جمهورية الهند الحديثة. والتي من أهمها الحرب الباردة الدائرة بين المعسكرين الغربي والشرقي.

فكان التحدي الرئيسي للقرار المستقل لحكومة الهند الجديدة المفهوم الذي تسوق له الولايات المتحدة الأميركية، وهو

«إما أن تكون معي أو ضدي». فذكر نهرو في النقاش أن أميركا تمتلك صناعة درامية تتمثل في «هوليوود» فيجب مواجهتها بذات الصناعة، وهذا بالفعل ما تم إنجازه وهو بناء صناعة درامية هندية مضادة لهوليوود، حيث نجحت وببراعة فائقة لأن تكون بوليوود منافسة لها وبقوة، بل أكثر من ذلك اليوم أصبحت هوليوود تأخذ بعض خبرات وتقنيات بوليوود في مجال الصناعة الدرامية.

السؤال المطروح: هل كانت للهند أعمال درامية تؤهلها لأن تكون منافسة لهوليوود؟ ولماذا هذا التركيز الكبير على الدراما من قبل «نهرو»؟ المتابع لسيرة هذا الرئيس يجد أنه كان متأثرا بالملهم «مهاتما غاندي» المتطلع لتحرير بلاده من قبضة الإنجليز، فقد آمن به، واتخذه مثلا أعلى له وقدوة يقتدي بها، وتتلمذ على يديه، وخلال فترة تواجده بجواره حرص نهرو على أن يكون الداعم والمساند لكفاح زعيمه غاندي، وأسهم بشكل فعال في نشر أفكاره بين الشباب، ما زاد من نفوذ المهاتما وشعبيته بين الناس، وهو أيضا وثق في «نهرو» إلى أبعد الحدود وقربه منه إلى أقصى درجة، واتخذه ذراعا يمنى له إلى أن تحقق لهما ما سعيا إليه، واستقلت الهند وأصبح «نهرو» أول رئيس وزراء لها، كان «نهرو» مقتنعا بمبدأ المقاومة السلمية «اللاعنف» ولكنه طور من هذه الأساليب بعد توليه الرئاسة وجعل الدراما أحد أهم أدوات المواجهة السلمية.

والآن عودة للسؤال السابق: هل كان للهند أعمال درامية تؤهلها للمنافسة العالمية؟

الجواب: نعم، لأن بوليوود كصناعة درامية لم تولد فجأة بل كان لها دور تاريخي في تأسيسها إبان الحرب العالمية الثانية، ففي الوقت الذي كانت معظم دول العالم تعاني نيران الحرب على عدة جبهات، كانت الهند تخوض حربها الخاصة، حربها ضد الاستعمار البريطاني، التي كُللت بإعلان الهند دولة مستقلة عام 1947. ويمكن تصور أن السنوات التي دارت خلالها الحرب العالمية الثانية بين 1939 و1945 كانت أوج مراحل الثورة الهندية للقضاء على الاستعمار. صناع الدراما لم يقفوا حينها مكتوفي الأيدي، بل سخَّروا صناعتهم للمشاركة في مقاومة الاستعمار بأشكاله المختلفة، إذ كانت الأفلام التي قدمتها الهند آنذاك، تدور بين دعم الحلفاء في مقاومتهم للفاشية، وبين مقاومتها للاستعمار البريطاني في الوقت نفسه. الدراما الهندية لعبت دورا هاما لجاراتها من الدول الآسيوية التي كانت تعاني أيضًا، مثل الصين.

ومع أن العلاقة الحالية بين الصين والهند متوترة بسبب الخلاف على منطقة حدود الهيمالايا، فإننا بالعودة إلى الأفلام القديمة لن نشاهد سوى التكاتف بين البلدين، في حربهما المشتركة ضد المعسكر الفاشي في الحرب العالمية الثانية. ومن هنا جاءت قناعة «نهرو» بأهمية صناعة الدراما كونها أحد أهم أدوات تعبير الشعوب عن آمالها وطموحاتها وتطلعاتها، وقد تكون مؤشرا واعيا لاستكشاف مناخها القادم. وها هو المجتمع الدولي يحتفل اليوم الثلاثاء 2 أكتوبر باليوم العالمي لـ «اللاعنف»، وهو يوم ميلاد الزعيم الهندي الكبير ورائد فلسفة اللاعنف «مهاتما غاندي».