آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 11:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

إضاءة «3» على محاضرة: هل نستوحش من مبادئ التنوير

مؤيد علي البراهيم

لسماحة الشيخ عبدالجليل البن سعد - حفظه الله -

- واحدة من الحالات الصحية التي ينبغي أن تسود في المجتمع المتطلع إلى الكمال هي حالة التدافع المعرفي المقننة، والتي تنقل المجتمع من هيئته الراكدة إلى طبيعة حركية ديناميكية دؤوبة، تبعث فيه حس المعرفة والبحث الذي بدوره يجلي لنا الحقائق ذات المردود الإيجابي على الإنسان، دونما قصر النظر على تلبية جانب واحد وإهمال الأبعاد الأخرى في هذا الكائن المركب من أبعاد متعددة، بل العمد إلى خلق حالة الموازنة على كافة الأصعدة لينتج لنا فردًا متصالح مع ذاته أولاً فضلاً عن محيطه الذي يتعايش معه.

- وحينما نردف القول بالتدافع المعرفي فذلك له ضوابطه الذاتية التي ينبغي أن تكون حاضرة لتجعلنا في مأمن من الوقوع في مغبة العبثية والغوغائية الباعثة على تولد حالة الانشطار والانقسام، فَتَعرُف الباحث على حقيقة الهوية التي ينتمي لها ليميز جيدًا حيثية نقطة الابتداء التي يريد أن ينطلق منها كما أن التشخيص الدقيق في ذلك يجنبنا من وفادة بعض الإصلاحات الدخيلة التي نعتقدها باعثة على حالة الترميم، بينما لو دققنا النظر ملياً لما تم الاستنجاد بالنظريات الأخرى لعدم الحاجة لذلك، وعليه نرى المحاضر يطرح رؤية فريدة من خلال تسليط الضوء على نقاط التوافق التي تركن لها مبادئ التنوير وهذه البادرة جديرة بالاحترام لإسهامها في تخفيف حدة التوترات وإيجاد حالة من المقاربة الحقيقية، كما أنها تسهم في معرفة موقعية التنويري الإسلامي وهل أنه حينما استنجد بالتنوير من منابعها أخذها على هيئتها الصحيحة أم أنه لم يحالفه الحظ في تطبيقه حتى بات يقطن في زاوية من زواياه.

- لذا يعرف المحاضر التنوير قائلاً: بأنه مسلكاً من مسالك العقل الكوني، التي خرجت على الأرض من أجل الحضارة تنفيذًا ورعايةً. فا روبير بلانشي يقول محددا التنوير: لقد ساد في حضارتنا الغربية اليوم دون جدال الاعتقاد في العقل الكوني وهو وقف على الإنسان. وهذه القول يأتي تباعاً لما قسمه المحاضر من رؤية خارجية للتنوير وأخرى داخلية.

فأما الرؤية الداخلية للتنوير:

التنوير الديني: فالتنوير في خصوص علاقته مع الدين ليس فصيلاً واحداً، كما أنه عاش مع الدين بكافة فصائله جدل الإيرادات ولكي نتعرف على هذه الفصائل فنحن أمام فرق ثلاث:

1 - فريق امتاز بالجمود واللزوم لتراث لا يتعدى عنه، ومصداقه «السلفية الأصولية»

2 - الفريق الثاني يمتاز بالقطيعة مع التراث وطلب النمذجة بالنموذج الغربي الأوروبي

3 - الفريق الثالث وهو الذي يريد القيام بالمزج، أي مزج التراث بالعقلانية من أجل أن يتمكن الدين أن يترك بصمته على الإنسان، فإنه لا يستطيع الدين أن يترك بصمته على الإنسان إلاّ إذا تحلى وتجلى بالعقلانية.

- وشكل من أشكال عقلانية التنويرين الإسلاميين هو «الشك» وترادف هذا الشكل مع قوة دعائية له في شعارات كبيرة مما أسهم في زيادة الهوة بيننا وبينهم وخلق حاجز سميك ومن هذه الشعارات: القول بالشك في كل شيء، وعدم اعتبار أي أحد فوق السؤال فهذا الشك حينما أطلقوه، هل هو شك غائي أم هو شك وقائي؟ أي أنه حينما أطلقوا لفظة الشك هل هي غاية في حد ذاتها ومرام لهم أم أنها وقاية وخشية من استعادة صراع مرير كما حدث في الأزمان السالفة من خلال تجربة خاصة.

- وعليه يتبين لنا أن الشك المنادى به هو نسق عقلاني لاستنباط اليقين، أي أنه شك مبني على مقدمات منطقية، ولأنه مبني على مقدمات منطقية يصل بك إلى اليقين، فإذا كان هو مبدأ من مبادئ التنوير فهل يسترعي منا أن نستوحش منه؟ وهذا القول يجلي حقيقة قائمة بذاتها وهي صدق الدعوة التي ينادي بها تنويريِّ هذا العصر لدينا ومدى بعدها عن مبادئ التنوير إذ يتجلى أنه حتى مع الاستنساخ المعمول به لا يتخطى حدود المصطلح ولا يصل إلى عمق الرؤية بل هنالك أفكار لا تمت بصلة إلى حقيقة التنوير أطرت بهذا الاسم لتلقى رواجاً واسعاً وتحظى بأكبر قدر ممكن من الاستقطاب الجماهيري للعمد على مناهضة الفكر الديني باسم التنوير.

وهنا أحسب أن المحاضر وضع النقاط على الحروف من خلال جملة من الأمور يمكن لنا أن نضمنها على النحو التالي:

1 - إن البعد عن الهوية التي ننتمي لها وعدم الإلمام بجوانبها المتعددة ولَّد لدى البعض حالة من الانفصال عن ذاك الانتماء وهذا كفيل بأن يجعل منه متلقف لنظريات يحسب فيها الخلاص من مأزق موهوم لا واقع له مستجديًا بها عله يحظى بركب التقدم والتكامل، وأي تكامل هذا؟ هو ذاك الذي يبعث على الرقي في جانب من جوانب البعد الإنساني وإن أدى إلى عملية التخلف والتراجع في أبعاد أخرى منه بل أبعد من ذلك وإن استرعى أن يسلخ الإنسان من إنسانيته مع بقاء العنوان وخواء المعنون لا كثر!!

2 - فند تلك المزاعم التي تحسب أنها تقع ضمن بوتقة ودائرة التنوير، وتجلى ذلك لنا من خلال المقاربة التي أوضحت مدى بعد المدعين عن مبادئ التنويريين، وأنها لم تستقي من التنوير غير الاسم لتمرير جملة من الأفكار التي تؤمن بها فلم تلقى أفضل من ذلك العنوان الجذاب والبراق، لتبوأ إرادتها مقعد يليق بطموحاتها المنشودة وإرضاء لذاتها.

3 - أن التبادل الحضاري من أهم مقومات التكامل الإنساني والبشري، فلا ضير من أخذ المنفعة من مجتمع ما من أجل أن يسهم في سير عجلة التقدم والرقي، غير أن ذلك يكون بمعية الحفاظ على الهوية وعدم الانخراط التام والذوبان في تلك النظريات والاعتقاد بأنها ناجحة على جميع الأصعدة وكافة المستويات، فنجاحها في التقدم الصناعي مثلاً لا يكفل لها النجاح في الجوانب الأخرى كعملها على مناهضة الدين والتحرر منه، فلا تعرض في البيّن يحثنا على الأخذ بشيء واقصاء أخر، وهذا يخرجنا من حدود الرؤية الأُحادية الضيقة، ويجعنا أكثر وعي في تشخيص ما يلزم المجتمع الذي نقطن فيه ومدى حاجتنا له، وأقول هنا «حاجتنا له» لا «رغبتنا فيه» إذا أن الحديث يختلف تماماً إذا كان في مقام «الحاجة» أو «الرغبة» إذ أن الثانية تشكل في جانب من جوانبها استهواء ذوقي وشخصي خاص وقد يكون عقبة أمام صاحبها تحد من تكامله الفعلي.

‏‫