آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 11:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

الدين والهوية... خيار التواصل والافتراق

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى ظاهرة واسعة الانتشار، فحواها أن الناس أميل للانفتاح على المختلفين معهم، بل ومشاركتهم، حين يتعلق الأمر بمصالح دنيوية. بعكس العلاقات التي تنطوي على مضمون ديني. وشهدنا في حالات كثيرة، تفككاً للعلاقات الطيبة، حين ذكر الدين أو المذهب. فتحول الصفاء إلى ارتياب والمحبة إلى خصام. وفي سنوات سابقة، كنت أرى في الأماكن العامة لافتات صغيرة، تطالب الحضور بتجنب النقاش في أمور الدين والسياسة. كما قرأت نصائح مماثلة في منشورات إرشادية، تقدمها شركات أوروبية لموظفيها العاملين في الشرق الأوسط. ولعل بعض القراء قد رأى هذا أيضاً.

من حيث المبدأ، لا تنحصر التأزمات المرتبطة بالهوية في الدين أو السياسة. كل هوية متمايزة، قابلة للتأزم في حالات معينة. بينما تبقى محايدة أو عديمة التأثير في حالات أخرى. لا تتمظهر الهوية كعامل نشط، إلا في ظرف التواصل مع الآخرين. ومن هنا فإن طبيعة هذا التواصل وهويات المشاركين فيه، تعمل كمحدد وموجه لدور الهوية، من حيث القوة أو الضعف، ومن حيث الاتجاه للتوافق أو التناقض.

في المجتمع الأميركي مثلاً، تشكل الهوية العرقية عامل التأزم الرئيسي. خطوط الانقسام الاجتماعي تدور حول لون البشرة «أسود، أبيض، ملون» وبقدر أقل حول الأصول القومية «نوردي، هيسبانك، صيني... إلخ». المثال الآخر من الحرب الأهلية في باكستان عام 1971 التي أدت إلى انفصال قسمها الشرقي وقيام جمهورية بنغلاديش. كانت الهوية القومية محور التأزم بين الطرفين. ولم تلعب الهوية الدينية دوراً يذكر. ويقدم العراق المعاصر مثالاً عن التأزم متعدد الأبعاد، فالأزمة في المنطقة الشمالية تدور حول الهوية القومية، بينما تأزم الوسط والجنوب محوره الهوية المذهبية.

يقول الناس عادة إن السياسة هي محرك التأزمات جميعاً. وهي تستثمر الهوية الدينية في مكان، والهوية القومية في مكان آخر، والإقليمية أو القبلية أو الجندرية في مكان ثالث... وهكذا.

هذا وصف صحيح، لكنه لا يصلح تفسيراً للمشكلة، لأن جوهر المشكلة يندرج في أحد سؤالين:

الأول: لماذا تكون بعض الهويات أكثر قابلية للتأزم من غيرها؟ بمعنى هل تنطوي بعض الهويات على عوامل تأزم ذاتي؟

الثاني: ما الظروف التي تسمح بتحول التنوع في الهوية إلى خطوط افتراق، وبالتالي يسهل استثمارها في توليد أو تأجيج التأزمات المرتبطة بعوامل أخرى، مختلفة عنها؟

أهمية النقاش في الموضوع، ترجع إلى موقع الدين في النظام الاجتماعي: متى يكون عامل تواصل بين خلق الله، ومتى يكون مبرراً للخصام. بديهي أن كل إنسان يود أن يكون الدين محركاً للتعارف والتفاهم بين خلق الله. لكن هذا يبقى مجرد أمل، ما لم نفهم على نحو كامل وعميق، الأسباب التي تحول دون قيام الدين بهذا الدور.

وهنا يهمني الإشارة إلى ضرورة التمييز بين مقاربتين للمسألة؛ مقاربة تستهدف فهم العوامل التي تجعل الدين عامل جمع أو عامل تفريق، بغض النظر عن رأينا في صحة هذا المسار أو ذاك، ومقاربة تنطلق من حكم مسبق على النتائج بأنها مرغوبة أو مرفوضة.

أنا ممن يرى إمكانية تقديم قراءة للدين تدعم دور التجسير والتواصل، بل أرى أن التواصل جزء من جوهر الإيمان. لكني أعلم أيضاً أن بعض الناس يرى استحالة التدين الحق، دون حدود واضحة تميزه عن مخالفيه.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.