آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 11:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

العاطفة العمياء

ورد عن أمير المؤمنين :.. والهوى شريك العمى» «تحف العقول ص 71».

الهوى هو ميل النفس ورغبتها غير المحسوبة العواقب ولا النظر في النتائج المترتب عليها، بخلاف الخطوات والقرارات الصادرة من عقل مترو ورشيد يحتسب ما ينجم عن خطاه بلا أي خسارة، وهكذا فإن المرء في كلامه وتصرفاته إما أن يعقلها ويضبطها في إطار الحكمة والنضج، وإما أن يغفل ويعرض عن التفكير العقلاني ويتجه نحو عاطفته العمياء المتفلتة، والتي تختار لا على أساس الموازنة بين النقاط الإيجابية والسلبية واختيار الطريق الأسلم والأصوب، بل تقترب تلك النفس مما تهواه وترتضيه وإن كان في ذلك مردود سلبي عليه، وتعرض عن أمر - لعله الأصوب - لا لشيء سوى أنه لا يقع في دائرة ميوله ومشاعره البلهاء الخارجة عن دائرة المنطقية في التفكير والتروي في الخطى!

الصورة المسبقة لفكرة أو علاقة أو تصرف بالنحو السلبي أو الإيجابي يعمي عين العقل عن إخضاعها لمجهر التدقيق والنظر المتأني، فتدفعه عاطفته العمياء نحو رفضها أو قبولها فورا دون إفساح المجال لنفسه لتبصر نتائجها عليه، فالقناعة الراسخة في الذهن حول أمر معين تارة يكون استقصاؤها ناتجا عن بحث وتفكير معمق فهذا ما نسميه التفكير العقلائي، وهو الذي يقي الفرد من الوقوع في الخطأ بنسبة كبيرة، وأما القناعة المسبقة المتولدة من انجذاب صرف أو رفض لعدم تقبله وجدانا فقط، فهذا هو الهوى الذي لا يقود المرء نحو خير وصلاح ونجاح، فمن تحكمت فيه نوازع نفسه وشهواته وعواطفه الصرفة وأغفل استنطاق عقله، كان كالأعمى الذي يملك عينا ولكنه لا يبصر بها ولا يهتدي طريقه.

وفي صلب علاقاتنا المتنوعة إذا حكمتها العواطف تحركنا كالمنومين مغناطيسيا في الحكم على الآخر، فقد فتحنا له قلوبنا وأغلقنا عقولنا فلا تبصر حقيقة أحاسيسه ومواقفه تجاهنا، فلا نفيق من غفلتنا إلا في لحظة صادمة نكتشف فيه كم كنا ساذجين حينما صحبنا مثل هؤلاء، من أصحاب المصالح الضيقة أو الأنانيين أو السيئين، وإذا كرهنا أحدا لهوى وأسباب غير منطقية أو حملنا في قلوبنا بغضا له بسبب موقف معين، فستحكمنا الظنون السيئة في تفسير كل كلمة وموقف منه، فنحملها محمل الإساءة لنا.

وهذا ما تراه جليا في الحوارات الشفهية أو على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يميل فيها أحدهم لرأي ووجهة نظر فلان أو يرفضها ويفندها، لا لقناعة فكرية ودراسة متأنية بل لمجرد أن قائلها تربطه به علاقة محبة أو كراهية، فالعين تشير لقائلها وتعمى عن مناقشة فحواها من خلال منهج عقلي استدلالي.