آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 1:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

المنهج الفقهي والخصوصية الإسلامية

محمد الحرز صحيفة اليوم

تنظيم علاقة المسلم بربه في المعاملات والعبادات كان من اختصاص الفقهاء، الذين تركوا إرثا ضخما من مدونات فقهية ومقاربات اجتهادية في الأصول والمنهج وتصانيف وشرح على الحواشي والمتون، بحيث لا يزال يشكل هذا الإرث النسبة الأضخم من الثقافة الموروثة في الحضارة الإسلامية.

وإذا كان هذا الاختصاص يقرب الفقهاء من عامة الناس بحكم جلوسهم للإفتاء، فإنه في ذات في الوقت يضعهم أمام اختبار حقيقي أمام تحولات الحياة الواقعية التي يعيشها الناس من عصر إلى آخر، وبدورها تصبح عملية الاجتهاد الفقهي ضرورة يفرضها تبدل الأحوال وتغير الأزمان.

وهذا ما جرى عليه الحال في القرون الثلاثة الأولى التي شهدت فيها المعرفة الفقهية تطورا باتجاه الاجتهاد اعتمادا على مدرسة الرأي «أبو حنيفة» أو اعتمادا على مدرسة الحديث «مالك بن أنس، أحمد بن حنبل»، وباتجاه أيضا تأصيل الأصول وتقعيدها على يد الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة».

إن هذه الخاصية التاريخية التي ارتبطت بحياة الفقهاء في تاريخنا الإسلامي وضعتهم في دائرة الاهتمام. لكن هذه الوضعية - بجانب وضعيات أخرى لها ارتباط مباشر بالوضع السياسي، ليس لها علاقة بموضوعنا هنا - أثرت لا حقا على مسار فكرة الاجتهاد التي تحولت شيئا فشيئا إلى مسار الاتباع، وأصبح التكرار هو السمة الغالبة التي تطبع الكثير من الإنتاج الفقهي في الثقافة المعاصرة.

هذه النتيجة هي الخلاصة التي توصلت إليها أغلب المشاريع الفكرية الفلسفية العربية.

لكن سؤالي هنا: هل صحيح الربط بين تضخم المدونة الفقهية والتفكير العقلاني؟! أليس من الأجدى التفريق في الأسباب بين النتائج التي أدت إليها الممارسة التاريخية للتفكير المنهجي الفقهي، وبين المبادئ المنهجية الثانوية في المصادر الأصلية لهذا الفكر في القرآن والسنة النبوية، كما يؤكد على ذلك فتحي حسن ملكاوي في كتابه «منهجية التكامل المعرفي»؟!

لقد أدى عدم التفريق إلى استجلاب حلول من خارج إطار الخصوصية الفكرية الإسلامية، فقد كرس على سبيل المثال زكي نجيب محمود الفلسفة الوضعية العلمية كأحد الحلول التنويرية في أفق الفلسفة العربية، وقد تبعه أيضا فؤاد زكريا. هذه مجرد نماذج وإلا فهناك آخرون استجلبوا حلولا مختلفة لا تمت إلى الخصوصية الإسلامية لا يتسع المجال إلى ذكرها جميعا.

تروي د. يمنى الخولي في كتابها «نحو منهجية علمية إسلامية» بما معناه أن الشيخ مصطفى عبدالرازق هذا الرجل التنويري الذي عاش في الربع الأول من القرن العشرين، إذ كان أستاذه محمد عبده ومن بين تلامذته علي سامي النشار، كان يحلم بمنهج علمي يمتد جذوره إلى علم أصول الفقه كي يقضي على غربة العلم ويوطن المعرفة العلمية بعيدا عن حالة الاستلاب في تربة الثقافة العربية. لكن هذا الحلم لم يكتب له النجاح بسبب حالة الاستلاب تلك. رغم ما نراه الآن من مشاريع فكرية تنحو مثل هذا المنحى والتوجه.