آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 1:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

صلابة الإمام الرضا في الحق

في الوقت الذي لا يلاقي فيه الطغاة إلا من يداهنهم ويجاملهم على حساب دينه وقيمه، كانت هناك نفوس أبية تتمسك بالحق والقيم، ولا يمكنها التنزل إلى سوق النخاسين لشرائها، ولم تكن لغة التهديد والوعيد بالتي تخيفها وتزحزحها عن ثباتها.

والباعث لهذا السلوك المشين - المداهنة - المنبيء عن ضعف نفسي لا يستطيع معه هذا الإنسان الإفصاح عن حقيقة موقفه، فمهما سمع من أصحاب السلطة الجائرة من كلمات مسيئة وقبيحة، أو رأى منهم ممارسات بعيدة عن العقلانية ومدرسة القيم، فإنه يضمر في نفسه تخطئة لذاك السلوك ولكنه خوفا من تبعات الجهر بالحق وما يلحقه من غضبة وسخط الطاغية، يرى أن الأسلم لنفسه والأبقى لمصالحه أن يداهن ويظهر الموافقة والرضا بأفعالهم القبيحة مفضلا الصمت، وما يزال به الشيطان لينقله من موقف المداهن للظالم إلى المعين لهم والمنخرط في مشروعهم الإفسادي والعدواني دون ممانعة أبدا.

والباعث لمداهنة الطغاة هو الحفاظ على المنافع الضيقة والحظي بشيء من المال والجاه، أو الخوف من نقمتهم وبطشهم فهم لا يرعون إلا ولا ذمة ويصبون جام غضبهم على من يعارضهم أو يخطئهم وينتقدهم، مهما كان أسلوبه مهذبا وحضاريا ويشتمل على نقاط جديرة بالاهتمام وبحثها، إذ أن مرض جنون العظمة والتعالي يدفعهم إلى الانتقام - أشد الانتقام - ممن ينبس بشق كلمة نصح أو توجيه.

ولكننا نرى مواقف العزة والاقتدار في شخصيات الأئمة الأطهار ومنهم الإمام الرضا ، والذي كان أحد أهم أسباب نقمة المأمون عليه هو ما يراه من منطق الحكمة والتوجيه الرضوي، وعدم السكوت أبدا عن أي موقف باطل يتخذه المأمون، وهذا ما كان يشعر المأمون بضآلة حجمه وصغر شأنه، ففي كل موقف يحاول فيه اكتساب العظمة الوهمية من خلال جمع المتلونين ممن يجارونه ولا يبدون أي ممانعة تجاهه مهما كانت فداحة وجسامة ما ارتكبه.

وإذا به يواجه نموذجا آخر لا يمكن شراء مواقفه أو ضمه تحت عباءته وإسكاته لئلا يسجل أي معارضة وصدحا بالحق والفضيلة، وذلك لأن الإمام الرضا ممن تنكر للذات ونظر في رضوان الله تعالى في كل ما يصدر منه، وعامل الترغيب في حطام الدنيا الزائل أو الترهيب والتخويف من نقمته لا يجدي نفعا مع شخصية ربانية كالإمام الرضا .

فالإمام الرضا سليل النبوة والإمام يطرح في منهجيته وتعامله مفهوما قرآنيا وهو التمسك بالحق والتواصي به، بعيدا عن أي مزايدات أو دخول في دهاليز الانتهازية والوصول للمراد من خاصرة الباطل والنفاق - حاشاه -، ولذا كان يصدح بالحق ويأمر به ويقف بصلابة أمام الباطل مهما كان مصدره، وهذا ما أجج مشاعر الحقد والانتقام ضد الإمام الرضا في قلب المأمون، فلم يكن يطيق الإنصات لدعوة الإمام له بالخوف من الله تعالى والورع عن محارمه وتجنب العدوان بكافة أشكاله، فما كان يقابل النصح إلا بمزيد من الإصرار على إسكات صوت الحق والقضاء على حياته، فقد عراه الإمام من القناع الزائف الذي كان يرتديه ويتلظى من خلفه، راسما لنفسه ظاهر العقلانية وتحكيم الشريعة الغراء، فقد كان الإمام يكشف له تلك المساويء من تصرفاته التي لا تمت بصلة لالدين ولا لروح القيم بالبتة.