آخر تحديث: 14 / 11 / 2018م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأربعينية بين السعادة والجمال

علي عيسى الوباري *

لا تحسب خطواتك على الرمال.. فأنت مقبل على جسد معفر بالتراب.. لا تلتفت إلى الوراء لعلك تعيق عجوز تجري إلى المقام.. على اليمين طفل سعيد باللقاء.. وشاب يلهث وراء محراب الفداء.

من يسعى للشهادة والتضحية تسعى وراءه القلوب وتأنس بذكراه النفوس.. شهيد في حضرة السعادة.. يلهم الناس التضحية والولاء، ينهلون من معانيه السامية الجمال.. استشهاده سعادة وتلذذ بالألم يعقبه احساس روحي جميل، هذا ما قاله كانط، اللذة الجمالية غير مرتبطة بالمصلحة الشخصية إنها تسمو فوق كل المنافع، الجميل عند كانط يعني الخير.

ستبقى قيمة التضحية ماثلة بالوعي الاجتماعي بشخص وروح من قام بها.. ساكنة في الوجدان الشعبي وبإيمان المواليين.. تعلو التضحية إذا كانت مؤيدة من السماء.. التضحية التي تعني الاستشهاد في سبيل الله لا يموت شهيدها في العقل الجمعي.. يعيش الخلود بالدنيا والآخرة ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ.. التضحية أداة لدحر عجز الكل ووسيلة لبقاء الغير.. التضحية ألم بالجسد ولذة معنوية وسعادة روحية تنمو في القلوب.. هي حركة متجددة كالدم يجري بالعروق.. لا تنبض أفئدة الباقيين إلا عندما يعيشون بروح ومعاني المضحي.. تترجم في الخيال الشعبي رمزيته.. تتحول إلى مناعة ذاتية في الشعور الجماعي.. تتكامل التضحية بوجدان المتفاعلين إذا كان الشهيد المضحي يستشهد من أجل مبادئ دينية وقيم سامية.

التضحية قيمة تقوم عليها تاريخ أمم وشعوب بل يصبح المضحي رمز دول «الجندي المجهول» تزوروه وفود رسمية وشعبية رغم أنه غير معروف يكفي أنه رمز للتضحية والعطاء فكيف بمن عرف بالسبط وسيد شباب أهل الجنة.. لا يلام الشعور الوجداني الجماعي المتراكم مع السنيين في الشعور واللاشعور كلما تعزز لديه الارتباط الروحي والمادي ببطل الطف وسيد الشهداء يعبر عن حبه وولائه بالكلمة والحركة والشعائر الإنسانية.. ارتبط رمز التضحية في واقعة الطف بالاصلاح من أجل الأمة.. تضحيته تجسيد للمثل العليا.. رأى في الحياة من غير استقامة ظلما وبرما..

من وحي واقعة الطف الا يرتبط الجمال بالسعادة؟ عندما يستشهد الإنسان من أجل حياة الآخرين.. كيف نفسر الجمال بالموت الجسدي الا بأحياء المنظومة القيمية في النفوس واستنهاض الأمة باستلهام فكر المصلح المضحي في أمة جده.. لم تكن السعادة عند الشهيد مرتبطة بالبقاء الجسدي والانتصار المادي بل بوعي الأمة.. تشكل القيم وقودا في ذاكرتهم ونبضا دائما في القلوب ”فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً“.

عندما ضحى الحسين من أجل سمو الإنسان ونجاته من الهلاك وترفع مستوى إداركه وإعادة سلوكه إلى المنهج النبوي.. تصبح التضحية سعادة وعاقبتها جميلة هذا ما اكدته الحوراء زينب في ردها على ابن زياد عندما نطق كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟، فقالت: ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده فانظر لمن الفلج يومئذ.

قالتها الحوراء لتطابق وانسجام الفكرة مع الحركة والمبادئ مع السلوك.. هذا هو الجمال تكتمل الصورة بكمال مبدعها بالتضحية من أجل المفاهيم الخالدة.

عندما سُأل الفيلسوف برتراند راسل، هل أنت مستعد للتضحية بحياتك من أجل أفكارك؟. قال: لا، لأني على يقين من حياتي، ولكني لست على يقين من أفكاري"، هنا الفرق بين من يؤمن إيمانا راسخا بما يقوم به وضحى في سبيل الله من أجل استنهاض الأمة واستمرار بقائها حية بالأصلاح للأهداف الرسالية.

فهم الجمال تتطلب تربية دينية ووعي بالمبادئ والقيم، الجمال كما قصدته الحوراء إعادة القيم والاحساس بها وتجسيدها سلوكا بالحياة التي نادى بها بطل كربلاء ولا يمكن إعادتها وترسيخها إلا بالتضحية الجسدية التي تعني السعادة عندما يخلق الوعي الجمعي الذي يتجدد في ذاكرة الأمة بأحياء المناسبة بشعارات تتضمن كلمات مع حركة الجسد مثل ي المشي. المشي الذي ارتبط بالطواف والسعي بين الصفا والمروة والبحث عن الرزق والمشي الذي يتزين بالاستحياء، المشي حركة جميلة للطفل، أسعد لحظات الأم حينما ترى مولودها يخطو بالمشي، عندما تقصد بمشيك وتهدف في خطواتك إلى بقعة أرض تضم في ترابها شهيد يسمو بمعانيه السامية ويجذب القلوب بتضحيته الخالدة فهو مشي إلى قيمة الجمال التي تبعث على الراحة والسعادة.

اطمئنان النفس يؤدي إلى الانشرح والسعادة التي تنظر إلى كل شيء بالحياة جميل، لأن المؤمن المطمئن يحمل مبادئ دينية وقيم إنسانية يتطابق اعتقاده بها مع سلوكه.. ينتظر الثواب والأجر والعاقبة السعيدة بالآخرة.

أيها الماشي في درب النجاة.. عد إليَ ببقايا الغبار.. عانقني بصدر ينبض بالولاء.. وصافحني بكف لامس شباك الزوار.

رئيس جمعية المنصورة الخيرية وعضو جمعية الإدارة السعودية