آخر تحديث: 14 / 11 / 2018م - 2:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة في ”عصر النهضة.. كيف انبثق؟ ولماذا أخفق؟“ لمؤلفه الميلاد

خالد زيادة

يعيد الكاتب والباحث زكي الميلاد طرح إشكاليات النهضة العربية، وذلك في كتاب جديد، يستعرض من خلاله أبرز آراء الباحثين والمفكرين العرب الذين تناولوا الموضوع في مؤلفات معروفة ظهرت خلال نصف القرن الماضي وأكثر، وعلى هذا النحو فإن المؤلف الميلاد إنما يعيد قراءة هذه الأعمال مستخرجًا الأفكار الرئيسية والإشكاليات والفرضيات التي تضمنتها.

في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان ”عصر النهضة.. كيف انبثق؟ ولماذا أخفق؟“، يرى المؤلف أن الحديث عن النهضة وعصرها إنما هو حاجة دائمة ومستمرة، ففيه نضجت وتبلورت قضايا ومشكلات النهضة والاصلاح، يقول: ”وتتأكد الحاجة إلى هذا العصر في ظل ما نلمسه اليوم من انحدار حضاري خطير“.

والمؤلف زكي الميلاد باحث له العديد من المؤلفات التي تتصل بموضوع النهضة من بينها: «من التراث إلى الاجتهاد.. الفكر الإسلامي وقضايا الإصلاح والتحديد».

كيف ظهر عصر النهضة أو عصر اليقظة أو عصر الإصلاح؟

يعرض المؤلف أربع أطروحات: الأولى ترى أن عصر النهضة ظهر إثر الحملة الفرنسية على مصر، والثانية ترى أن عصر النهضة بدأ في القرن الثامن عشر، والثالثة تعود إلى ابن خلدون وعصره، أما الرابعة فترى أن النهضة بدأت مع جمال الدين الأفغاني.

وإذ يعرض هذه الأطروحات بشيء من الإسهاب، إلا أنه لم يتخذ منها موقفًا محددًا فيكتفي بعرضها والتعرض بالنقد لبعضها.

والواقع أن إحدى الجوانب التي ينبغي أن ننظر إليها، دون أن نقصر العرض على الجوانب الفكرية أو الأدبية، هو البحث عن الأسس الاقتصادية والاجتماعية للنهضة، فالنهضة ليست مجرد آراء ومواقف عبّر عنها بعض المتنورين. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن النهضة كمشروع لا بدّ أنها تعبر عن مصالح فئات في المجتمع أو السلطة خصوصًا.

وإذا أخذنا الأطروحة أو الفرضية الأولى، فلا بد من إثارة الملاحظات التالية:

قد تكون الحملة الفرنسية قد أيقظت المصريين على تفوق أوروبا العلمي والعسكري، لكن السلاطين العثمانيين كانوا تنبهوا إلى تفوق أوروبا في بداية القرن الثامن عشر بعد هزيمة عسكرية مدوية. وقد أدرك السلاطين أن تحديث العسكرية والعلوم أصبح أمرًا لا بد منه، وخصوصًا السلطان سليم الثالث «1789 - 1807م»، الذي أحدث نظامًا عسكريًا جديدًا، وهذا السلطان هو الذي أرسل محمد علي إلى مصر، مما يعني أن هذا الأخير كان على اطلاع على المحاولة الإصلاحية لسلطانه. والأمر المهم هو أن السلطان سليم أو السلطان محمود الثاني لاحقًا كانوا مدركين بأن مصلحتهم في الإمساك بالسلطة تقتضي إصلاحًا إداريًا وعسكريًا والأمر نفسه ينطبق على محمد علي. فقد كان التحديث إذًا مطلبًا للفئة الحاكمة في سبيل إحكام سيطرتهم والقضاء على كل المناوئين في الداخل.

أما بالنسبة للأطروحة الثانية والقائلة بأن إرهاصات النهضة قد بدأت قبل التأثير الأوروبي، فهي أطروحة المؤرخ الأميركي بيتر غران، الذي يذكره المؤلف ويشير إليه، وعنه أخذ بعض المؤرخين المصريين مثل الدكتورة نيللي حنا. والواقع أن هذه الأطروحة لا تقتصر على الجوانب العسكرية والأدبية وإنما تشير إلى تراكم رأسمالي تجاري يبشر بنمو رأسمالية محلية الخ.

أما الأطروحة الثالثة التي تعيد النهوض إلى ابن خلدون وعصره، فإنها تهمل أربعة قرون من الزمن نُسي خلالها ابن خلدون، ولم يعد ابن خلدون إلى الذاكرة العربية إلا مع القرن التاسع عشر ومن خلال المستشرقين الغربيين. علمًا بأن معاصري ابن خلدون من المؤرخين في الحقبة المملوكية قد عرفوا ابن خلدون وأشاروا إلى علمه، كذلك فإن الأتراك العثمانيين قد عرفوا في القرن السابع عشر ابن خلدون وأشاروا إلى مراحل صعود الدول وانحطاط الدولة العثمانية. ومن المعلوم أن بيري بري زاده كان في مطلع القرن الثامن عشر قد ترجم فصولاً من المقدمة إلى التركية. والواقع أن رأي المؤرخ التونسي هشام جعيط أقرب إلى الصواب، إذ يقول بأن ابن خلدون يمثل نهاية حقبة الإسلام الوسيط.

تبقى الفرضية الرابعة والتي تقول بأن النهوض قد بدأ مع جمال الدين الأفغاني، وهذه الفرضية تصح نسبيًا إذا تعلق الأمر بالكلام عن الإصلاحية الإسلامية وليس عن النهضة.

ولا بد لي هنا من الإشارة، إلى ما كنت قد أشرت إليه في كتابي: ”لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب“ وهو التمييز بين حقبة النهضة وحقبة الإإصلاح، ويتعلق الأمر بالسؤال: سؤال النهضة هو كيف وماذا نأخذ عن أوروبا، أما سؤال الإصلاحيين فهو لماذا تقدَّم الغرب وتأخر المسلمون.

وبطبيعة الحال، فإن الجواب على كل سؤال سيكون مختلفًا.

يعرض المؤلف لآراء متنوري القرن التاسع عشر فيما يخص فكرة ”المدنية“، وهي المصطلح الذي كان يُستخدم للإشارة إلى ”تقدّم“ أوروبا. كما انه يتوقف عند سؤال: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم، وهو عنوان لجواب كتبه شكيب ارسلان، وأصبح بعد ذلك كتابًا مشهورًا، بالرغم من أنه يركز على العوامل الذاتية والأخلاقية، منها ابتعاد المسلمين عن تعاليم الشريعة، والجبن والهلع وفقدان الثقة بالذات، وهي إجابات لا تنفذ إلى الوقائع والأسباب المادية، الاقتصادية والثقافية وغيرها.

ويستعرض في الفصل الخامس دراسات بارزة اشتهرت خلال نصف القرن الماضي، وهي: ”الفكر العربي في عصر النهضة“ لألبرت حوراني، و”المثقفون العرب والغرب“ لهشام شرابي، و”أسس التقدّم عند مفكري الإسلام“ لفهمي جدعان.

وبهذا الاستعراض تكتمل أهمية الكتاب بصفته مرجعًا لقراءة عصر النهضة من خلال مفكريه ومؤرخيه على حد سواء.

وأرى أن كتاب الباحث زكي الميلاد يكتسب أهميته من خلال هذا الاستعراض الذي يضع بين أيدينا الأعمال والآراء التي تمثل النهضة، والتي تشير إلى سبب الإخفاق. كما أن الكتاب يحمل دعوة إلى تجديد النهضة إزاء كل ما نواجهه في الحاضر.