آخر تحديث: 3 / 7 / 2020م - 7:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

لماذا الحنين إلى الماضي؟

عباس سالم

بالرغم من أن الماضي عند الأجداد والآباء وفي حياة الكثير منا لم يكن ورديًا وخاليًا من المتاعب والمشاق، إلا أن الحنين والشوق لتلك الأيام الجميلة تظل في الذاكرة كلما تقدم العمر وغَيَّرَ ملامح وجوهنا، وباعدت الأيام أو فرقت الأقدار بيننا وبين من كانوا جزءً أصيلا من مخزون ذكرياتنا.

الحنين إلى الماضي الجميل هو الشعور بالاطمئنان الذي يغمرك عندما تذهب إلى بيتك القديم وتقلب أوراق الذكريات، أو تطالع تلك الصور التي تجمعك مع الأهل والأحباب والأصدقاء، وتسترجع شريط الذكريات وكيف كانت حياتنا اليومية في البيت والمدرسة وبين صابات الفريچ، والتي كانت تجمعنا فيها الطيبة والحب والأخلاق.

كلما عادت بنا الذاكرة للوراء يتملّكنا إحساس بالأمان والبراءة، فالكثير منا يحن للماضي فهو زمن الطفولة والشباب الخالي من الهموم المسئوليات والمخاوف، والكثير منا يراها أيامًا دافئة في عمق العلاقات بين الأهل والأصدقاء والجيران، والكثير منا يُسْعَد عندما يرى من كانوا جزءً من أيام طفولته وشبابه حتى ولو لم يكن يلعب معهم، فجميعهم جزء من ماضيه الجميل، ويشعر بأن الماضي أكثر صدقاً ووضوحاً وأن الحياة فيه أكثر نقاء.

الحنين إلى الماضي شعور يلازم الإنسان كلما مشى به العمر مسافات، والنفس البشرية كثيراً ما تتلذذ بالماضي أكثر من الحاضر، وتتشوق لاستنشاق عبق الزمن الراحل أكثر من تلذذها برائحة القادم من العمر، وكلما ابتعدت اللحظات كلما ساقنا الحنين إليها، والحديث عن الذكريات الغابرة ألذ وأشهى من الحديث عن المستقبل الذي تتحكم فيه الماديات على المبادئ والقيم.

لاتزال ذاكرتي تتفيأ تلك الأمكنة بتفاصيلها الدقيقة في ديرتي جزيرة الحب والنقاء ”جزيرة تاروت“. فلا زلت أتذكر تلك التفاصيل الصغيرة في أيام الطفولة التي عشت فيها في ذلك الحي الصغير بأني سوف أعود يوماً إلى مرابعها، إلى زقاقي في ذلك الحي الشعبي إلى صيحة الديك فوق السطوح وبين سعف النخل، بأني سأعود لأسمع صوت حمامة النخيل وهي تنادي ”يا فاته يا بيتي“ من فوق ذرى النخل العالي، بأني سأعود لأشم رائحة الخبز المتين المعمول على كرب وجذع النخل لأتذكر الخبازين من أبناء ديرتي يرحمهم الله.

فكلما أخذتني الذكريات للزمن الجميل ذهبت إلى المنطقة القديمة في جزيرة تاروت ”الديرة“ لأتذكر ماضي الأجداد وأشم عبق التراث فيها وأكحل عيني بجمال الفن المعماري القديم، ومنها إلى السوق

لأتذكر تلك القهاوي الشعبية التي كانت منتشرة في جزيرة تاروت مثل: قهوة مغدين، وقهوة حسن بن الشيخ، وعلي بن منصور عبدالغني، وأحمد الناصري، وأبو ابراهيم حجيرات، وسعيد الصديق، وقهوة أبو احمد المسحر، وقهوة عبد الحسن حمود، وقهوة العقيلي «أبو آدم» وجميعهم قد غادروا هذه الحياة دون رجعة رحمهم الله، إلى ذلك الشارع الرئيسي في الجزيرة الذي يغص بالناس في ليالي شهر رمضان المبارك.

لازلت أتذكر تلك الليالي التي تهب فيها النسمات الجميلة وأغط في النوم على السطح إلى أن يوقظني الديك بصيحته الجميلة وتحرقني الشمس بحرارتها، بأني سأعود لأسمع صوت البلبل الذي يغرد فوق الشجر المطل على حوش منزلي، وبأني سأعود إلى أصوات الحمير، والأبقار، ومختلف الحيوانات التي كانت في الماضي موجودة في كل بيت، بأني سأعود لأسمع نباح الكلاب والعواوي في الليل الهادئ، بأني سأعود لأسمع صوت خرير الماء من مجرى حمام تاروت الذي يخترق الأحياء من كل صوب ليغتسل الناس منه لصلاة الفجر.

صحيح أن الأنفس قد تغيرت وأعمتها المصالح والكراسي، وأن الحضارة التي ألبست الناس أرقى أنواع الملابس وجعلتهم يتبخترون في مشيتهم، جردتهم من القيم الإنسانية!! وأن التكنولوجيا

والهواتف المحمولة التي أربكنا ضوؤها وأتعبت أعيننا شاشاتها الصغيرة، وسرقت عمق أفكارنا سطحيتها، وقلل اتساع رؤانا ضيق عوالمها، وأربكت ثبات خطواتنا سرعتها، وقد تعلقنا بعوالمها الرقمية أكثر مما يجب، وجعلت الناس يسيرون في الشوارع منكسي الرؤوس وعيونهم معلقة بهواتفهم ويصدم بعضهم بعضا، وأصبح لزاماً علينا أن ننتبه قليلاً لهذا!

تمر الأيام والسنون وتهاجر لكهف الذكريات، ولا يبقى سوى البعد والفراق مخلفة وراءها الحنين لتلك الأرواح التي عشقناها منذ زمن الطفولة البريئة، ونتسائل الآن أين هو ذلك الزمان الذي كان نقيا وطاهرا وصافيا كصفحة السماء، زمن لا يحمل الأعباء ولا تسكن فيه الهموم، ولا يشغلنا سوى اللعب واللهو بين الفرچان، كانت أمانينا جميلة نرسم ربيعا رائعا، ديرتنا كانت أرضها خضراء وأشجارها ونخيلها مائلة والورود حولنا مبتسمة والبحر تتلاطم أمواجه بجدران منازلنا! إننا لا نريد هذا الحاضر الذي يملؤه الكذب والخيانة، ويتغلغل في ثناياه النفاق وكره الآخر.

يقول الكاتب ”ريتشارد ياتس“ ما زلت أملك تلك الفكرة بأن العالم أجمع ما زال فيه أشخاص رائعون في مكان ما، أولئك الكبار في السن الذين يمتلكون معرفة غريزية بكل شيء يحيط بهم، الذين صنعوا من حياتهم طريقاً بكل سهولة دون تعب، والذين عملوا ما كان يملى عليهم بكل صدر رحب، أشتاق لهم وأتمنى أن أصبح مثلهم لأعيش حياتي بكل عفوية.

خلاصة الكلام هي: إن الحنين للماضي وذكرياته له نكهة خاصة وشعورا جميلا عند استرجاعه من شريط الذكريات، وتلك اللحظات والصور التي نثرها الزمن وهي ما زالت محفورة في وجداننا، فتارة نبتسم لجمال وروعة العرض، وتارة نبكي بصمت على زوال تلك اللحظات والبقاء على أمل اللقاء بعد حين، وإن الماضي لنتذكره وليس لنعيش فيه إلى الأبد لأنه انتهى!..