آخر تحديث: 15 / 12 / 2018م - 1:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حفنة تراب

رأى شخصٌ آخرَ يداوم الحضورَ في المقبرةِ ويقلب الجماجمَ بعودٍ في يدهِ فسأله عما يفعل، فقال الرجلُ: أنا منذ أربعينَ سنةً أقلب جماجمَ الموتى أبحث عن الفقيرِ والغني والجاهل والعالم ولم أستطع التمييزَ بينهم.

رقمٌ من خانتين، آحادٌ وعشرات في أغلبِ الأحوالِ ومن تعاطفَ معه القدرُ أعطاهُ ثلاثَ خاناتٍ من السنين تخونه كل قواه في آخرها قبل نعيه. في هذه المدةِ القصيرة يبني البشرُ أبنيةً تدوم مئاتِ السنين ويجمع الأغنياءُ ما يكفيهم آلافَ السنين وبعد كل هذا النصبِ يعطيهم الأحياءُ حفنةَ ترابٍ لا أكثر، ولو لم يعطوهم هذه الحفنةَ من الترابِ عجزوا عن أخذها.

عجيبٌ أمرنا نحن البشر! نعرفُ الطريقَ وندرك النهايةَ لكننا نمشي في الزقاق الخاطئ، يجمع الغنيُّ ما لا نهاية من المالِ ويكدح الفقيرُ بين الشروقِ والغروب طمعاً أن يرى الخبز. خانتينِ من السنين يضنى فيها الغنيُّ في جمعِ المال والفقيرُ في البحثِ عن المال لكنهما يلتقيانِ في حفنةِ ترابٍ يعطيها إياهم الأحياءُ في نهايةِ زقاقِ الحياةِ الضيقِ المليءِ بالمتاعب.

لم ير عليُّ بن أبي طالب في هذه الحفرةِ سوى نقطةً تجمعُ البشر كلهم ”وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا، لاََضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ“. حجمُ الحفرةِ التي يعود فيها البشرُ كومةً من الترابِ لا تعني من ماتَ في شيء، ما يعنيه هو سعة المكانِ الذي فيه روحه. أليس هذا يشبه ذاكَ الذي في الدنيا يسكن قصراً ويحزن وذاكَ الذي يسكن كوخاً ويغتبط؟

لبيتٌ تخفق الأرياحُ فيه

أحب إلي من قصرٍ منيفِ

ولبس عباءةٍ وتقر عيني

أحب إلي من لبسِ الشفوفِ

إذاً، كيف يوازن الإنسانُ بين محطاتِ الرحلةِ والمحطةَ الأخيرة التي يعبرها في حياته؟ المال جزءٌ من سعادة البشر وبه يملكونَ وسائطَ القوةِ والاحتماءِ من غوائلِ الدهر لكنه يبقى عاريةً يستردها الأحياءُ وعليهم تذكر أنَّ بعضَ الحقائقِ لا تقبل الجدل. قال كعب بن زهير:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامتهُ

يومًا على آلةٍ حدباءَ محمول

وقال الله تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ". أليسَ من الحكمةِ أن ينظرَ البشرُ الذين تسكن المطامعُ والأحلامُ والأماني عقولهم في نهايةِ الرحلةِ القصيرة وبداية تلكَ التي هي لا متناهية في خطِّ الأعدادِ وكيف تكون؟

مستشار أعلى هندسة بترول