آخر تحديث: 15 / 12 / 2018م - 1:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ذاكرة الأشياء القريبة من الحياة

محمد الحرز صحيفة اليوم

كيف يتسنى لك أن تختبر ذاكرة الأشياء القريبة من حياتك؟! بل ما هي الوسائل التي تساعدك على الوصول إلى شيء كهذا؟!

السرير الذي تنام عليه كل ليلة حد الألفة، الثياب التي تلامس جسدك وتلتصق بجلدك وتتشرب رائحتك، حذاؤك الذي حفظ أسرار أصابع قدميك، ويريد أن يبوح بها في أقرب فرصة سانحة، مقابض الأبواب في بيتك، خاتمك العقيق الذي أهداك إياه شخص عابر في لحظة عابرة، مسبحتك التي دائما ما تظل في جيبك مهما كانت يداك ترغبان في لمسها، الصحون والملاعق حيث نظراتك لا تقع على الأكل فيها إلا ممزوجا بألوانها وأسطحها الملساء، وكأن الامتزاج شرط من شروط انفتاح المعدة على اللذة والشهية.

تلك مجرد تفاصيل صغيرة في حياة الفرد لا تحدث، لأنها لا تنطق بأحاسيسها ولا تملك كما الإنسان اللغة كي تقول ما تود قوله. هي أشياء صغيرة لا تلفت الانتباه ولا تؤثر في الحياة المادية للإنسان. لكنها مزروعة في حياة كل منا مثل الماسة التي تشع فتضيء الأرجاء فتعطي للحياة معنى وجمالا.

نحن نتذكر جميع تلك الأمور الصغيرة، البعض منها حضوره أقوى من البعض الآخر. وحسب المواقف والأحداث المرتبطة بها، تتخذ موقعها في الذاكرة، فإذا كان الحدث قويا ومؤثرا، وأدى بسببه إلى تغيير في مسارات حياتنا، فإن ذكرى الحدث تصبح نشطة وتكون في مرتبة أعلى من غيرها، كلما استعدنا شريط ذكريات حياتنا. فمثلا عندما تنفرط مسبحتك من بين يديك وأنت تمشي في شارع عام، وحين تحاول الإمساك ببعض حباتها كي لا تنفرط منك، تداهمك سيارة مسرعة وتصيبك إصابة ليست قاتلة، لكن الحدث يحفر عميقا في نفسك، ويظل يحفر حتى يصل إلى الموقع الذي يؤهله كي يستعيد نفسه كلما صادف وجود حوادث مشابهة أو كلما نظرت إلى موقع الإصابة في جسدك. إنه نوع من القدر الذي يلازم الإنسان طوال حياته ولا فكاك منه، على الإطلاق.

إذن، هناك الكثير من الحوادث في حياتنا شبيهة بهذا المثال الذي استشهدنا به، حيث كل حادثة لها ارتباط بأشياء معينة تحيط بنا من كل الجهات. لكن هل يمكن اعتبار حالة التذكر كما في حالة المسبحة هي تعبير صريح يكشف عن حالة الرغبة الشديدة لمثل هذه الأشياء للتواصل معنا؟!

وإذا ما أدركنا أننا دائما في حالة تذكر بالأشياء التي تحيط بنا، فإننا ينبغي أن نتساءل عن هذه الأشياء التي تحيط بنا، هل هي أيضا لها حالة من التذكر؟

ما أطرحه من تساؤل هنا - عزيزي القارئ - ليس تأملا فلسفيا. لكنه من صميم حياتنا اليومية التي لا نفكر فيها كثيرا، فالسرير، والأواني المنزلية، والملابس والمقاعد وغيرها من تلك الأشياء تتذكرنا مثلما نحن نتذكرها، الفرق الوحيد أنها لا تملك اللسان واللغة، لكنها عوضا عن ذلك، تدخل في سراديب ذاكرتنا وتحتل موقعها بعد صراع مرير مع واقع الإنسان ذاته.