آخر تحديث: 18 / 1 / 2019م - 4:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

تقديس اللغة

محمد الحرز صحيفة اليوم

النظرة إلى اللغة باعتبارها سرا من الأسرار المقدسة التي تؤثر في حياة الإنسان هي من مرتكزات الثقافة الشفهية، هذه الثقافة التي لطالما ظلت لقرون عديدة مسيطرة على عقول المجتمعات ونظم تفكيرها، حتى جاءت الثقافة العلمية مع بزوغ الأزمنة الحديثة، واختفت الهالة السحرية التي كانت تحيط باللغة، وتوارت إلى الخلف كل الطقوس والممارسات التي ارتبطت بها، بحيث لم تعد تستخدم في مجال طبابة الإنسان، أو في غيره من المجالات الأخرى، وأصبحت المعرفة المتعلقة بتاريخ اللغة البشرية وأنواع كتابتها عند الشعوب القديمة متاحة للجميع، وأيضا فكت الأسرار والطلاسم حول نشأتها بفضل جهود علماء أفنوا جل حياتهم كي يتعلموا منطقها ويفكوا خطوطها وأحرفها. لذلك يمكن الإشارة إلى أن الثقافة المعاصرة في جوهرها هي تصور جديد عن اللغة، حل محل التصور القديم، وتمدد هذا التصور في أغلب فروع العلوم الإنسانية. وأصبحت جهود الألسنيين هي إحدى أهم الركائز في تلك العلوم.

عموما لست في وارد الحديث عن اللغة اعتمادا على تباين هذه التصورات بين القديم والجديد، بل ما أريد التساؤل حوله انطلاقا مما سبق، هو قدرة اللغة العربية على الاحتفاظ بتماسكها الداخلي، والأهم قدرتها على التواصل مع مختلف المتلقين عبر القرون والعصور، وكونها الأداة التعبيرية بين الشعوب العربية، وكونها لغة القرآن الكريم، فإنها لم تذب في اللهجات المحلية مع مرور الزمن كما حدث مع اللغة اللاتينية في أوروبا.

بالطبع هناك من الباحثين من يرى أن الثقافة العربية المعاصرة ما زالت تحتفظ بالكثير من التصورات الشفهية عن اللغة، وهذا أحد الأسباب في عدم تطورها وعدم لحاقها بركب التطور العلمي. لكن هذا الكلام يتوافق إذا كانت الأسباب تتعلق بتطور المعرفة الفكرية والعلمية. لكن ماذا بخصوص المعرفة البلاغية والأدبية؟ فهل يقع قياس التخلف والتقدم على النظر فيهما؟!

ينقل عبدالفتاح كيليطو في كتابه «بحبر خفي» هذه الحادثة «جاء في أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي ما يلي: خرج ابن عباد من عندنا يعني الري متوجها إلى أصفهان ومنزله ورامين فجاوزها إلى قرية غامرة على ماء ملح لا لشيء إلا ليكتب إلينا: كتابي هذا من النوبهار يوم السبت نصف النهار».

يعلق كيليطو على المشقة الكبيرة التي عاناها الصاحب بن عباد في سفره، وابتعاده عن منزله قصدا، متحملا كل ذلك في سبيل أن تتوافق كلمة النوبهار مع كلمة النهار. لقد «ابتعد عن هدفه اقترابا من هدف أسمى: مناسبة السجع».

هذه الحادثة - والتراث العربي الإسلامي مليء بمثل هذه الحوادث - لها دلالة كبرى في سياق حديثنا هنا: أولا - القدسية التي تحظى بها اللغة عند العرب لا تشتمل على ما سبق ذكره، بل يضاف إلى ذلك القدسية التي تأتيها من جهة البلاغة، وهذا موروث عريق وأصيل رغم ما يوجه إليه من نقد ونظرات. ثانيا - الموقف من اللغة بهذه الطريقة من السلوك - كما رأينا - أزعم أنه موقف نادر إذا ما نظرنا إلى بقية شعوب العالم في علاقتها باللغة، وعليه نصل إلى نتيجة خلاصتها تقول: تقديس اللغة عند العرب من تقديس المخيلة وأبرز وسائلها الشعر والبلاغة.