آخر تحديث: 18 / 6 / 2019م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

القارئ وأنا!!

زينب إبراهيم الخضيري صحيفة الرياض

من نصيب القارئ أنه لا يقف عند قمة الجدول، إنه في الوادي، وباستطاعته قياس الاختلاف، وبوصف القارئ ذكياً ونبيهاً للتفاصيل المختلفة، كان لابد أن أطرح سؤالاً ألحّ عليّ كثيراً وهو: كيف يستطيع الكاتب أن يتلمس بيديه موضع الألم، وترياق الشفاء؟ هذا السؤال الذي ظل يلازمني كظلي، ووجدت إجابته في رواية الفرنسي دوني ديدرو «جاك القدري»، فهي إحدى الروايات التي أحببتها، حيث إنها أكثر الروايات التي تحاكي واقع الإنسان وطريقة تفكيره وسلوكه، فالكتابة تحتاج إلى حياة عامة، وتبادل حر للأفكار، والنقاش، والجدال، والاستماع، فنحن لسنا ملزمين بالكتابة فقط بل للتأمل أولاً، فالكاتب يحمل بين حناياه الكثير من الأرواح.

والسؤال المطروح هو: كيف يصل الكاتب إلى القارئ؟ الإجابة على السؤال يطول شرحها، ولكن الكاتب لدية دائماً أشياء مشتركة مع القراء جميعاً، الصراع، الحب، الرغبات، فنحن نشبه بعضنا فيما نعيش به وفيما نتألم من أجله، العالم هو مكان للجميع، والآخرون يعطون شكلاً للحياة ويزودون الكاتب بالكثير من المشاعر، إن الكاتب الذي يرفض كل شيء ويتصيد ما يروق له ويتوافق مع أهدافه هذا غير أمين على الواقع، فالالتزام بالحقائق هو أساس الكتابة، ويجب أن نعي أن في داخل كل كاتب معركة قائمة بذاتها، فيظهر له البائس والسعيد الفقير والغني الشجاع والجبان وأمام هذه الحياة المليئة بالتناقضات هل يستطيع الكاتب أن يتخندق؟ ربما يتخندق في صف القراءة. لأن الكتابة نوع من الترياق الذي يعالج كسورنا وجروحنا، يجدد الأمل الذي تلاشى كحلم عظيم، فقراءة قصة أو رواية أشبه بدخول كهف لا تعلم هل يخرج لك رجل من العصر الحجري، أم وحش كاسر، حية أو خفاش، مياه عذبة أم حجارة صلدة، فقراءة القصة أو الرواية تعلمنا كيف نتصادم مع أحداث عظيمة وقعت أو ستقع في عالم مليء بالغرابة وبعيد عن الواقع، قد تكون وظيفة لتطهير الروح باستحضار الحب والحنين والشوق، أو استشفاء للعقل وكسر صرامته وقوانينه بدخوله عالماً آخر قد تكون القوانين بداخله معدومة، فيتقاطع مفهوم التوصيل مع مفهوم التواصل في شبكة العلاقات النفسية بين الكاتب والقارئ، لذلك يجد الطرفان نقاطاً محددة تشكل جسراً للوصول إلى المشتركات، ويعلو مستوى الخطاب الذي يعكس تفاعل الذوات مع محيطها، والأفكار مع بعضها، وتختلط المشاعر وتلمس الأفق النفسي للمشاعر، هنا الكاتب يكون نفذ إلى روح القارئ، واتخذ مكاناً لديه دون أن يشعر بذلك، فاحترام القارئ المتمثل بالصدق، وأصالة الفكرة، ووضوح الهدف، وعدم تضليل القارئ، وجعله يعود إلى القراءة مرة أخرى للكاتب هي نوع من النجاح والنفاذ للقارئ.