آخر تحديث: 18 / 1 / 2019م - 4:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة في كتاب «العقلانية والتسامح - نقد جذور التطرف الديني»

بسام المسلمي

”العقلانية والتسامح - نقد جذور التطرف الديني“ لمؤلفه حسن موسى الصفار والصادر عن دار أطياف سنة 2018، هو محاولةٌ جادةٌ لتسليط الضوء بشكل مكثف على النصوص الدينية وعلى آراء علماء الإسلام التي تؤكد على أهمية ودور العقل في الإسلام بشكل عام وفي التعاطي مع النصوص الدينية بشكل خاص.

وكذلك، فإنه أيضاً محاولة لإبراز النصوص الدينية الصارمة والحادة والتي تدعو إلى عدم التسامح والتهاون مع الآخر المختلف، سواء كان ذلك فيما يبدو من ظاهرها أو من أحد وجوه فهمها وتوجيهها أو فيما تفيده بشكل قطعي، ثم بعد ذلك إعادة قراءتها وإنتاجها بغية التخفيف من حدتها وصرامتها تلك. فهو - المؤلف - حاول ”تفكيكها“ و”تحليلها“ وإعادتها إلى سياقها العام أو قل قراءتها من زاوية آخرى فاتحاً بذلك باب احتمالية وظنية دلالتها على مصراعيه وساداً باب حتميتها وقطعيتها بالتمام أو بشكل كبير على الأقل. وفي الوقت نفسه، فإنه يبرز و”يذكِّر“ بتلك النصوص الدينية وبآراء بعض العلماء - وبخاصة المحدثين منهم - التي تشيد وتؤكد أهمية التسامح وتدعو إلى التلاحم ونبذ الفرقة دون أن يمس ذلك حرية التفكير واختلاف الرأي. وهو - بذلك - يذلل النصوص ويجعلها مطواعةً وملبيةً لحاجة الظرف الزماني والمكاني للمجتمع كما يقرأها ويراها هو.

وعلى الرغم من أن ما جاء في كتابه من تأكيد على قيمة العقل وحرية التفكير واختلاف الرأي والتسامح والتعايش مع الآخر أمسى من البدهيات في كثير من الدول الغربية والشرقية - كما أشار هو أيضاً لذلك - حتى أننا - ربما - لا نجد من يكتب في هذا الموضوع ويناقشته أصلاً، بل إنها - كما يدل عليه واقعها - وصلت إلى تحليل الطرق المختلفة وتقييمها والمفاضلة بينها ومناقشة حيثياتها وذلك من أجل تطبيقها والبدء في ممارستها في الواقع.

وبغض النظر عن اتفاقي مع المؤلف أو عدمه في أسباب وصول الكثير من الدول الغربية والشرقية لتلك المرحلة من التطبيق والممارسة العملية وعدم وصولنا - نحن - لها، إلا إنني أحيِّي مثل هذه الكتب التي تحاول إعادة قراءة وإنتاج النصوص الدينية لـ ”تأصيل“ العقلانية والقيم الإنسانية في الدين، والتي لم تتقدم دول الغرب والشرق بدونها. الحقيقة أن الواقع كله يصرخ وينادي بمثل تلك الأمور والقيم والمبادئ منذ زمن طويل، وقد استجابت له الكثير من الدول والأديان ولم يبق إلا نحن الذين وضعنا أيدينا على أذاننا كي لا نسمع. ولكن - ومن خلال الواقع - فإن ذلك لم يحجب عنّا تلك الحقيقة المرة وهي أننا لانزال قابعين في وحل التخلف، فمهما كانت أذاننا مسدودة؛ فإن أعيننا لاتزال مفتوحة لترى ما وصل إليه غيرنا وما وصلنا نحن إليه.

وهنا - في رأيي - تكمن أهمية مثل هذه الكتب التي تحاول وضع اللبنات الأولى التي تضعنا وتأخذ بنا نحو الجادة والطريق إلى الحاضر ومنه إلى المستقبل.