آخر تحديث: 4 / 7 / 2020م - 6:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

التدين بالمظاهر في المجتمعات

عباس سالم

أصبح التظاهر بالتدين اليوم طابعاً عاماً بين الكثير من الناس في مجتمعاتنا، والذي أطلق عليه علماء الاجتماع والمختصين في علم النفس الاجتماعي ب ”انفصام الشخصية المجتمعية“ وهي ظاهرة تعكس الجهل التام بجوهر الأديان السماوية التي أنزلها الله تعالى على رسله .

علامات التدين تجدها في كل مكان في بلداننا العربية، تجدها في المطارات، تجدها بين الأحياء وفي الأسواق والمجمعات، وفي كل الوزارات والشركات والمؤسسات، وتجدها بين سائقِ المركبات، ومن علاماتها أنه عندما يحين وقت الصلاة وقبل الأذان بنصف ساعة على الأقل ينقطع الجميع تماما عن العمل، ويشرعون فى الوضوء والذهاب إلى المسجد استعداداً لأداء صلاة الجماعة.

وعندما يحين وقت الصلاة، ترى أن الكثير من العمال في الشركات والمؤسسات تنقطع علاقتهم بعملهم إلى حين أدائها، وفي وقت الصلاة يتوجه العاملون والعاملات في المستشفيات إلى الصلاة، وفي وقت الصلاة يقطع المعلمون في المدارس علاقتهم بتلاميذهم، كل ذلك من أجل الصلاة والتقرب إلى الله تعالى، حالة التدين تجدها في أماكن العمل بين العاملات والكثير منهن محجبات، وبين العاملين والكثير منهم متدينون.

جميل أن نرى علامات التدين في مجتمعاتنا وجميل أن يكون الإنسان متدينا، ولكن للأسف تصاب بالاستغراب عندما تكتشف أن الكثير من الناس العاملين بالرغم من التزامهم الصارم بأداء الفرائض، يرتكبون انحرافات جسيمة كثيرة بدءً من الغيبة، ومن إساءة معاملة الناس في العمل، والكذب، والنفاق، وظلم المرؤوسين، وحتى الرشوة والتلاعب في الأسعار، واستغلال الناس البسطاء في الكثير من المحلات التجارية، كل ذلك يحدث في مجتمعاتنا اليوم. بما أن مظاهر التدين تنتشر فى كل مكان، فمن المفترض أن الرجل المتدين يتسم بصفة الورع وأن ذلك الورع يفترض أن يرسخ القيم والمبادئ الأخلاقية لديه لا عكس ذلك.

في الدول الغربية وفي بعض دول الشرق لا يوجد دين يعلمهم المبادئ ولا قرآن يقرأ في كل مكان يعلمهم الأخلاق ولا مساجد في كل زاوية يتجه إليها الناس للصلاة لتهذيب النفس، مع ذلك تجد الأخلاق وكلمات التسامح تنتشر بين الناس في كل مكان كأنها زخات من المطر! ولعل مثل تلك المظاهر تفتقدها مجتمعاتنا للأسف، فهم يعلمون أطفالهم على التسامح مع الآخر وعلى حب الناس الآخرين في البيت والمدرسة، ونحن نعلمهم كيف يلبسون وكيف يأكلون ليصابوا بالسمنة وننسى الأخلاق التي هي جوهر الإنسان.

في دراسة حديثة لمعهد جالوب الأمريكي يقول فيها: إن العالم العربي يعتبر من أكثر الشعوب تديناً على وجه الأرض، وفى نفس الوقت هي تحتل مراكز متقدمة فى الفساد، والرشوة، والكذب، والتحرش الجنسي، والغش، والنصب، والتزوير، وغيرها من الأعمال غير الأخلاقية! وهنا لابد أن نسأل: كيف يمكن أن نكون الأكثر تديناً والأكثر انحرافاً فى نفس الوقت؟!

عندما تشاهد مسرحية تتمثل في شخصية رجل دين فاسد يسعى إلى إشباع شهواته الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى والتدين، تتساءل هل يتحول الكثير من الناس إلى نماذج من أمثال ذلك الرجل؟ أعتقد أن المشكلة أعمق من ذلك، فبعضهم متدينون فعلاً عن إيمان صادق، لكن الكثير منّهم يمارسون انحرافات أخلاقية بدون أن يؤلمهم ضميرهم الديني، ولا يصح التعميم بالطبع فكثير من المتدينين يراقبون ضمائرهم فى كل ما يفعلونه.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وللأسف فإن الكثير من الناس يقومون بأعمال غير أخلاقية وهم قد أدوا الصلاة قبل ذلك.!! وإن بعض الأطباء وهم قلة وبعض الممرضات الذين يسيئون معاملة مرضاهم من الفقراء فى المستشفيات، والموظفين الذين يزورون بأيديهم مواعيد دخول وخروج المرضى لصالح معارفهم، والموظفين الذين نكلوا بالناس وتركوا معاملاتهم دون حل، والطلبة الذين يمارسون الغش الجماعى في المدارس، هؤلاء الناس قد صلوا قبل تلك الأفعال!!

مآسي الديون في محلات البيع وبين الأفراد في المجتمع حكايات تدور بين الناس، يأتيك شخص قد تعرفه أتم المعرفة وقد لا تعرف عنه إلا القليل، يتوسل إليك بشتى الطرق يريد أن يستلف منك مبلغاً من المال ويأخذك حب مساعدة الآخرين وتقرضه المبلغ، وعندما يحين وقت حصاده يبدأ بالمراوغة، وقد لا تراه بعدها حتى في الأماكن التي كان يتواجد فيها قبل حصوله على المبلغ! وفي البنوك ووكالات السيارات وغيرها أصبح الكفيل ضحية كفالة أخ أو صديق له في المجتمع، فهناك الكثير من المكفولين قد ورطوا كفلاءهم بعدم تسديد مديونياتهم، معظم هؤلاء الناس متدينون وحريصون على أداء الفرائض!!

خلاصة الكلام هي أن صلاتنا إذا لم تنهنا عن عدم القيام بأعمال غير أخلاقية بعد أدائها فاقرأ ، وإن ترسيخ القيم والمبادىء الأخلاقية يجب أن ترافق الإنسان المتدين، وإن الكثير من الناس في مجتمعاتنا يتظاهرون بالتدين! وتراهم في يوم الجمعة يهرعون إلى صلاة الجماعة في المساجد، ويدعون الله تعالى بأن يغير حال هذه الأمة وهم يعلمون قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ..!!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
um baqer
[ Toronto ]: 21 / 12 / 2018م - 1:43 ص
كلام منطقي وواقع 100?? أحسنتم