آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 11:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

جماعة الخاطئين

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

لم أسمع يوماً أن شخصاً ادعى أنه معصوم لا يخطئ. كل منا يصيب حيناً ويخطئ أحياناً. ولا أظن أحداً ينكر هذه الحقيقة في نفسه فضلاً عن غيره.

رغم ذلك فقد تجد من يخاصمك لو خطَّأت قوله أو انتقدت رأيه. بل ربما يخاصمك لو خطّأت شخصاً آخر، تربطه به علاقة مودة أو متابعة في دين أو سياسة أو غيرهما. ولعل أكثر ما حدث لي وللكتاب الآخرين من خصومات، كان نتيجة لشيء من هذا القبيل.

ربما ننسب هذا التعامل إلى الجهل أو قلة التهذيب، أو غيرهما من صفات التنقيص. لكنني أرجح أنه ليس كذلك في معظم الحالات. ومبرر هذا الترجيح أنك ترى ذات الشخص الذي يرد هنا بكلمات نابية، يستعمل في مكان آخر ألفاظا تنبئ عن لطف وصبر ومعرفة. المعرفة والتهذيب ليسا رداء ترتديه ثم تنزعه. بل طبائع لا يمكن للإنسان حملها هي ونقيضها في الوقت نفسه.

دعني أقترح ثلاثة أسباب محتملة:

الأول: قد ينتج الغضب من عدم التمييز بين أحكام ذات محمولات مختلفة. ومثاله الخلط بين وصف شيء بأنه خطأ، أو القول بأنه باطل. ونعلم أن المحمول القيمي للتعبير الثاني أثقل نسبياً من سابقه، رغم إمكانية استعمالهما كمترادفين.

الثاني: الخلط بين الشخص والفكرة. وجدت أشخاصاً يبدأون ردهم على الناقدين، بذكر إنجازاتهم السابقة، والتأكيد على مقامهم ومعارفهم... إلخ. وربما ينزلقون أكثر فيشيرون إلى أن الناقد دونهم علماً أو مكانة، أو أنه من أتباع هذه الجماعة أو تلك... إلخ. والواضح أن هذا النوع من الردود، مبعثه الخلط بين نقد الفكرة والعدوان على صاحبها، أو أنه يماهي بين التعرض للفكرة والتعريض بصاحبها.

الثالث: القلق على الهوية وحدودها. ومن ذلك مثلاً أنني نشرت في الشهر الماضي دراسة حول المساواة بين المرأة والرجل، تتضمن مراجعة للأدلة المتعارفة في هذا الحقل. فجادلني كثير من السادة حول فساد المجتمع الغربي، واعتبروا أن الكلام عن المساواة ثمرة للانبهار بالغرب، وأمثال ذلك من الأوصاف. لكنني لم أرَ مناقشة واحدة في الموضوع نفسه، أي المساواة، ولا سيما باعتبار أنها حق أصلي للإنسان، ولا حول الأدلة التي جرت مراجعتها، ولم يتكرم أحد بمجادلة الأدلة التي ساقتها المقالة لدعم دعاواها.

وسبق أن واجهت هذه النوعية نفسها من الردود، حين كتبت عن مفهوم الاجتهاد وحرية الاعتقاد، وغيرهما. في معظم هذه الردود، تجد قاسماً مشتركاً، فحواه أن الأخذ بما هو مطروح في الفكر الغربي ينطوي على انتقاص مكانة الدين أو قيمة أهله، وأن نقد استدلالات متفق عليها بين جمهور العلماء، تهوين من شأنهم أو من القيمة العلمية لتراثهم. وقد تكون تمهيداً للتعريض بالدين نفسه. بل قال أحدهم صراحة بأن ما سماه «تسفيه» آراء العلماء، يمهد بالضرورة لتسفيه أحكام الدين نفسه.

ينبئ هذا النوع من الاعتراض عن قلق على الهوية أو قلق على حدود الجماعة. هذا قلق قابل للتفهم، لكنه لا يفيد كثيراً في الارتقاء بالنقاش العلمي أو الاجتماعي، بل قد يؤدي إلى كبت الآراء الجديدة والأفكار الخلاقة، وبالتالي تجميد العقول في ثلاجة الموروث.

زبدة القول: إن ما نراه كل يوم تقريباً من خشونة في النقاشات العامة، لا يمكن نسبته إلى الجهل أو قلة التهذيب فحسب. ثمة عوامل أخرى محتملة، وينبغي أخذها بعين الاعتبار كي نتفادى مواجهة التعصب بتعصب مضاد.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.