آخر تحديث: 24 / 4 / 2019م - 3:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

‏‎ترَاجْيُكُومِيديا السَّيد ”د“

ليالي الفرج * صحيفة الرأي السعودي

بعيداً عمّا تَشهدُهُ حالياً العاصمةُ الفرنسيةُ باريس من أجواءٍ ساخنةٍ رغمَ درجاتِ الحرارةِ المنخفضةِ فيها وعلى طريقةِ الفلاشْ باكْ، تأخذنا الصورةُ لالتقاطِ مَشهدِ سوقٍ شعبيٍّذاتَ صباحٍ باكرٍ على أطرافِ الريفِ الباريسي في القرنِ الرابعَ عَشَرَ الميلادي.

‏‎ثمّة حركةُ تسّوقٍ، لشراءِ المنتجاتِ الزراعية المحلية، بينما في الزواية ِيَظهرُ بائعُ الحليبِ الطازجِ الذي لمْ تَنَالُهُ بعدْ عمليةُ البسترةِ التي جاءَ بها الكيميائي الفرنسي الشهير لويسْ باستور، مُبتكرُ عملية البسترةِ المعروفة ِفي القرن التاسعَ عَشَرْ.

‏‎ أحدُ القادمينَ لشراءِ الحليبِ، يسأل البائعَ عن جودةِ الحليبِ وعدم خلطهِ بالماء، إذْ إنَّظَنَّ بعض المتسوقينَ بإمكانية الغشِّفي الحليبِ عبرَ إضافةِ الماءِ إليهِ، كانَ وارداً.

‏‎ حينَها وبصورةٍ عفويةٍ يُشِيرُ البائعُ إلى بقرتهِ البعيدةِ عن الموقع، لأنَّ بعضَ باعةِ الحليبِ كانوا يصطحبونَ أبقارَهُم، للتأكيدِ على نَقاوةِ الحليبِ وأصالتهِ فيتفاعلُ المشتري مع الصورةِ مدهوشاً، ويقولُ بالفرنسيةِ المنطوقةِ: لَاڤَاشَيْهْ!

‏‎إنّ إسقاطاتِ هذهِ الصِّوَرِ الباريسيةِ مازالت تتكررُ حتى هذا اليوم في بعض بُلدانِنا فليس ادعاءُ الألقابِ العلمية الوهميَة بجميعِ رُزَمِها وأنواعِ حامليها وأسماءِ الشهاداتِ وقوائمِ الأسماءِ العربيةِ للتخصصات في هذه السنواتِ إلاّ نسخاً مكبّرة ومطورّةً وذاتَ جوهرٍ احتياليٍّ وعَرَضٍ مُخادعٍ في الزّيف، كما كان الحليبُ سِلعةً مُعَرّضَة ًلِنِفْس ِالمُمَارسة.

‏‎وليس صعباً إدراكُ أنَّ كثيراً ممّن حصلوا على هذهِ الألقابِ كانت أهدافُهُم تتوزعُ بين إحرازِ مكانةٍ اجتماعية أو لزيادةِ الدَّخْلِ أو للحُصولِ على وظيفة وربما غير ذلك.

‏‎ويُرِينَا تقريرٌ نَشَرَهُ المجلس السويديُّ للتعليمِ العالي، أنَّ في عام 2015، بِيْعَتْ 10000 شَهَادةٍ جامعيةٍ متنوعةٍ وصادرةٍ من جامعات حقيقية في العالم كما أشار إلى كثافةِ الشهاداتِ المُنْتَحَلَةِ التي تَصْدُرُ في بلد كالهند.

‏‎إنّ من النتائجِ الخطيرةِ وراءَ تَفَشِّي ظاهرةِ شَهاداتِ المؤسساتِ التعليميةِ الوهمية هو احتمالُ ما تَتَعَرَّضُ لهُ حياةُ إنسان بينَ يَدَي مُعَالِج وهمي، أو تقلّصُ الفُرَصِ الوظيفيةِ للشباب، كما قد تنخفضُ سُمعةُ الشركاتِ أو المؤسسات التي لا تُراعي التدقيقَ في مُؤهلاتِ مُوظَّفِيها.

‏‎وَتُلْفِتُ شخصيةُ الدكتور مُوَافِق الرُّوَيلِي، الأستاذ الجامعي، وعضو مجلسِ الشورى سابقاً، كَاسْمٍ يَرْصُدُ، خلالَ الشبكةِ العنكبوتيةِ، أعداداً هائلةً، مِمّن يأتونَ في مُعْجَمِهِ واصْطِلاحِه، مُتَدَكْتِرينَ أو مُتَمَسْتِرِين أو متبكرسين ونحوِهِمْ. لكنَ مثلَ هذا الواقع القَمِيءْ، يبدو أنّه بحاجةٍ أكبر إلى سَنِّ قوانينَ حازمةٍ ولوائحَ تنظيميةٍ كابِحَة، لِمنعِ هذا التبجُّحِ السافرِ للألقابِ الوهميةِ وأكوامِ الدرجاتِ العلميةِ الكرتونية.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.