آخر تحديث: 23 / 4 / 2019م - 7:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

التلوث الفكري

ياسين آل خليل

تحول التلوث اليوم إلى إحدى المعضلات المستعصية التي تواجه العالم برمته. لم يعد الموضوع يهم رجل الشارع فحسب، بل مؤرقًا لقادة العالم لتأثيره المباشر على اقتصاديات الدول وصحة ومستقبل شعوبهم. تعددت ملوثات البيئة حتى لم يعد هناك من شيء لم تطله مخالب هذا الوحش الكاسر. الماء والهواء والتربة تصدروا القائمة حتى بات الإنسان في عين العاصفة تتقاذفه الريح يمنة ويسرة، يساوره الخوف من أن يأتي ذلك اليوم الذي لا يجد فيه قطرة ماء نظيفة يروي بها عطشه، أو هواءً نقيًا يبقيه على قيد الحياة.

الأمر بات مخيفًا الى هذا المستوى، أما ما سأحدثكم عنه اليوم فهو أكثر خطرًا على حياة الفرد والمجتمع. كما تتعرض البيئة لشتى أنواع الملوثات، فالعقل هو الآخر معرض إلى التلوث الفكري مثل الغضب والجشع والحسد وما إلى ذلك من ملوثات. الناس تعج أنفسهم وعقولهم بهذه السموم والتي تورّث فيهم الأنانية وحب الذات، فلا يحلوا لهم عيش حتى يروا من حولهم من الناس وقد انغمسوا في نفس الوحل وبدئوا يقاسمونهم ويشتركون معهم في إفساد البيئة المجتمعية.

الفرد ذو العقلية الملوثة يعيش تحت رحمة أوامر وإملاءات أفكاره التي تحثه على أن يمضي قدمًا في تحقيق رغباته، وإن أضطره ذلك لاستخدام العنف لإنجاز أموره والحصول على مبتغاه. عدم صدقيته واضطراب نفسيته واحاسيسه، يدفعونه لأن يكون متصلبًا في وجهات نظره، مما يتسبب في عدم احترامه وتحمله لآراء الآخرين.

الأفراد الذين تلوثت أفكارهم بسموم هذا العصر، قد لا يدركون أن غضبهم يمثل مشكلة كبيرة لهم وللأفراد الآخرين من حولهم. أفكارهم المشوشة ورغباتهم في إدارة الأمور بالطريقة التي يرونها الأنسب، تجعلهم ينحون الى سلوك عدواني وجسدي متعمد ضد هدفهم المراد إيذاءه. من الواضح أن هؤلاء الأفراد وهم يخوضون معركتهم للفوز على منافسيهم الوهميين يظهرون الكثير من العدوانية الممزوجة بالجرأة وعدم المبالاة لما قد تنتهي عليه تلك الجولات من الغضب والعنف من تدهور وتفكك في العلاقات.

انغماس الناس في الماديات جعل ظاهرة الجشع والحسد والأنانية صفات متفشية وملازمة للكثير من أفراد المجتمع. البعض من الناس بات يغمرهم الاستياء مما يمتلكه شخص آخر من مال أو ثروة، بل قد يتعداه أحيانًا الى المكتسبات الغير مادية. عندما تمتزج تلك الملوثات مع الشراهة والشهوة لجني المزيد من المقتنيات فإنها تصبح أكثر فتكًا وخطيئة بالفاعل والمفعول.

انتشار المعلومات المغلوطة والمضللة لها تأثير ضار على مخرجات العقل البشري وتفاعله مع محيطه. التلوث الفكري لم يكن في يوم من الأيام وليد الصدفة، فتوفر البيئة المساندة والمشجعة جعلت من نموه وانتشاره حقيقة جلية للعيان. نعم مغريات الحياة كثيرة وفي تنامي مضطرد يومًا بعد يوم، هذا لا يدفعنا أن نستسلم للملوثات الفكرية وأن نهيئ لها السبل والبيئة الخصبة لتنفذ إلى عقولنا وتقودنا إلى حماقات تضر بنا والآخرين. في نفس الوقت ونحن نشعر أن البعض من الناس ممن تمكنت تلك الملوثات من اختراق عقولهم والعبث بها، قد لا يطيقون وجودنا لا لسبب جوهري، بل لأحقاد غير مبررة وحسد وغيرة. علينا أن لا ندع تلك التصرفات العنجهية أن تتسلل الى عقولنا كما تمكنت منهم، لتبطئ حركتنا وتشل عقولنا وتعيقنا من متابعة مسيرتنا لنحقق المزيد من التقدم لأنفسنا ومجتمعنا.