آخر تحديث: 19 / 4 / 2019م - 9:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

أثر الفأس

تأبى أنانيتي ألاَّ ألحظَ جمالَ الأمسِ واليومِ الماطر من شهرِ شباط. ندعو الله أن يكونَ غداً أجمل! أيامٌ قليلةٌ هي التي تكون في هذا الصفاءِ والسكينة.

كم تأتي أفعالٌ كاملة من الناس لبعضهم يتذكرونها ويقولون: آهُ لو استزدنَا منه! وكم تأتي أفعالٌ ناقصة من بعضهم يقولون: آه آذيتمونا! وكأنهم يسمعون المتنبي يصفها:

يُؤذي القَليلُ مِنَ اللّئَامِ بطَبْعِهِ

مَنْ لا يَقِلّ كَمَا يَقِلّ وَيَلْؤمُ

وَالظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ فإن تجدْ

ذا عِفّةٍ فَلِعِلّةٍ لا يَظْلِمُ

يروى الخيالُ أنَّ أخوين متحابين تشاركا في نعم الدنيا كلها، لكن لا تترك الأيامُ سعادةً إلا أفسدتها! عم الجفافُ فأجدبت البلاد، هلك الزرعُ ومات الضَّرْعُ، وكان بجوار بلادهما وادٍ ممرع، مغطىً بالزرعِ والشجرِ والأعشاب، لكنَّ حيةً تحميهِ وتمنع الناسَ من الاقترابِ منه أو الرعي فيه.

قال أحدُ الأخوينِ للآخر: ماذا لو أني أتيتُ هذا الوادي فرعيتُ فيه إبلي؟ فرد عليه أخوهُ قائلاً: إني أخافُ عليكَ من حيةِ الوادي، فلا يوجد أحدٌ ذهب إلى ذلك الوادي إلا وماتَ من سمها. أصر الأخُ على الهبوطِ إلى الوادي ورعى إبله فيه فترةً من الزمن، ثم نهشتهُ الحيةُ وقتلته. حزن أخوهُ عليه حزناً شديداً، وقال: لا خيرَ في الدنيا بعد أخي، وأبطنَ الثأرَ لأخيه أو يموت. هبطَ إلى الوادي وبحث عن الحيةِ ليقتلهَا، فوجدها واقتتلا فقدر عليهَا، وعندما أرادَ قتلهَا إنتقاماً لأخيه، قالت له الحية: ألا ترى أني قتلتُ أخاك؟ قال لها: نعم، وها أنا ذا أثأرُ له! قالت له الحية: هل لكَ في الصلحِ، وأدعكُ ترعى إبلكَ في هذا الوادي كيفما شئت، وأعطيكَ كل يومٍ ديناراً من ذهب؟ قال لها: وهل أنت صادقة؟ قالت له: نعم. فقال لها: إني فعلت ذلك، وأخذتْ عليه المواثيقَ ألا يضرَّها أبداً، صار ينزل الوادي وقتما شاء، ويذهب فيه إلى أيِّ مكانٍ شاء.

وفت الحيةُ بعهدها وأخذت تعطيه كل يوم تعطيه ديناراً، حتى كثر ماله، وأصبح من أغنى الناس، وأحسنهم حالاً. تذكر الإنسانُ أنه إنسان وجاشَ دمُ أخيهِ فيه مرةً أخرى، وعزم على الإنتقام له. قال في نفسه: ماذا ينفعني العيش في هذه الحياة، وأنا أنظر إلى قاتلِ أخي أمامي؟ فأخذ فأساً بيده، وعزم على قتلها، وقعد لها ينتظرها. سارت أمامه فتبعها، وقبل أن تدخل جحرها ضربها بالفأسِ فأخطأهَا، ودخلت هي الجحر، وأصاب الفأسُ الحجرَ فوق جحرها وتركت الضربةُ أثراً واضحاً فيه. تيقنت الحيةُ من غدره وقطعت عنه الدينار، خافَ الرجلُ من الحيةِ وشرها، فندمَ على ما فعل، وجاء للحيةِ وقال لها: هل نعود ونتعاهدَ على السلمِ من جديد ونعود إلى ما كنا فيهِ من قبل؟ قالت الحية له كلمات أصبحت مثلاً فيما بعد: ”كيف أعاودُكَ وهذا أثرُ فأسِكَ؟“.

تمحو الشمسُ والمطرُ والرياحُ والأيامُ كل آثار البشر ولكنها لا تستطيع أن تمحو نواياهم وآثامهم، وكم من شخصٍ نقول له ألم تقرأ خبر الحية؟ كيف نعاودكَ وهذا أثر فأسك الغادر؟ متاعبُ ابن آدم لا تكون مع الحياتِ إلا في أحلامِ المنام ولكن متاعبه هي مع أبناءِ جنسه في النوم وفي اليقظة. في محاور الحياة نقطة الصفر أن نكف الأذى وفي أقصى اليمين نُهدي الناس أنفسنا ولن نقدر أن نصلَ إلى مراتبِ الأنبياء، لكنه في أقصى اليسار تختبئ حياتُ الوادي، إذاً، ليس لنا إلا أن نتحركَ إلى يمين الصفرِ ما استطعنا...

مستشار أعلى هندسة بترول