آخر تحديث: 4 / 7 / 2020م - 6:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

تراتيل القرآن الكريم في «لمعلم»

عباس سالم

إن المقصود ب «لمعلم» هنا هو ليس ذلك المعلم الذي يقوم بتعليم المناهج الدراسية في مدارسنا، إنما هو ذلك الرجل أو المرأة من أبناء بلدتي الذين تعلموا القرآن الكريم وقاموا بتعليمه في منازلهم للآخرين.

في زحمة الحياة بآمالها وآلامها بحلوها ومرها كثيراً ما تستجدي الذاكرة أيام الطفولة وبراءتها أولئك المؤمنين من أبناء ديرتي الذين وهبوا أنفسهم وقامو بتعليم القرآن الكريم وفتحوا بيوتهم لاستقبال الناس من الجنسين ذكوراً وإناثاً.

أحن إلى الماضي عندما أتذكر تلك الأيام الجميلة التي كنّا نتعلم فيها القرآن الكريم عند «لمعلم» أو «لمعلمة»، والتي لا زالت في الذاكرة إلى الْيَوْمَ، حيث كنت أنا وزملائي نذهب إلى «لمعلم» إلى ذلك البيت المتواضع نتعلم القرآن، وقبل وصولنا إليه نسمع أصوات زملائنا وهم يتلون سِوَرٌ من القرآن الكريم والذي ينفذ ترتيلها إلى روحك، ويجعلك تسابق نفسك كي لا تفوتك نسمات الأنس والسكينة.

إن مكان «لمعلم» عبارة عن غرفة صغيرة أو حوش صغير في البيت المتواضع به حصير يجلس عليه «لمعلم» وهو رجل مسن تقرأ في قسمات وجهه خشوع الإيمان وتنساب من نبرات صوته تراتيل القرآن الكريم، وكنا نجلس أمامه على «قاعودة» وهي عبارة عن سلال مصنوعة من سعف النخيل أو على «كرسي» وهو عبارة عن كسرة لوح صغيرة، وعندما يكتمل عدد المتعلمين نبدأ جميعاً بترتيل السورة المطلوبة من القرآن الكريم بصوت عال، وعند الانتهاء من الترتيل يبدأ المعلم بالتسميع لنا كل على انفراد للتأكد من أن قراءتنا للسورة قراءة صحيحة، وكل هذا ونحن في زهو كأننا نبشر الدنيا ونفاخر بما أنعم به المولى علينا بنعمة المحبة والسلام.

كنّا نأتي إلى «لمعلم» من أماكن مختلفة في بلدتي، ونطوف من خلال تلك الصابات الجميلة التي كنّا نستأنس باللعب فيها قبل أن نصل إلى ذلك البيت الذي نجتمع فيه ذكوراً وإناثاً، ونطهر ألسنتنا بترتيل آيات من كتاب الله الكريم، ولا أتذكر أننا في يوم من الأيام قد اعتدينا على من كان معنا في داخل المكان بالرغم من أننا نجلس سويا ذكوراً وإناثاً، نتعلم القرآن الكريم الذي تعلمنا منه معنى المحبة والسلام بيننا وبين الناس.

جيلٌ مَرَّ على أهل القطيف وقراها كان محافظاً على قراءة القرآن الكريم. جيلاً كان يكن احتراماً للوالدين وكان يحترم الجيران ويحترم الرجل الكبير، وكان يساعد بعضه البعض في أي مناسبة اجتماعية، ولا يحب الكسل وكان يمارس جميع الأعمال الحرفية في البلاد. جيلاً لا يسهر لآخر الليل ولا يعرف الشارع بعد صلاة المغرب، وكان يحافظ على صلاة الفجر في المسجد ويعتمد على نفسه، ولَم يعرف الإتكالية على الوالدين أو الآخرين.

خلاصة الكلام هي أن القرآن الكريم هو روح الإنسانية والمحبة والسلام، ورحم الله ذلك الزمان الذي رأينا فيه الناس المؤمنين من أبناء بلدتي يرحمهم الله، وهم يرتلون القرآن من على شرفات منازلهم المتواضعة كل يوم من الفجر إلى طلوع الشمس.