آخر تحديث: 19 / 3 / 2019م - 8:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

الثابت.. المتغير

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض هواية خلط الثوابت بالمتغيرات، فتارة بدون وعي كامل نتيجة فقدان السيطرة على التحكم بدفة القيادة، وضياع البوصلة القادرة على تحديد جادة الصواب، وتارة اخرى عن قصد واصرار بغرض تحقيق بعض المقاصد الخاصة، سواء كانت مرحلية او دائمة، الامر الذي يدفعه لاستخدام الخلط، لاحداث تموجات واضطرابات عميقة، في ضمير الوعي الاجتماعي.

التحرك وفق المتغيرات عملية طبيعية، ومطلوبة على الدوام، لاسيما وان المرونة في انتهاج المواقف على اختلافها، تتناغم مع التطورات والمستجدات العديدة، المرتبطة بارتقاء الفكر الانساني، فالجمود يعطل المسيرة البشرية، ويحد من التقدم الاجتماعي، الامر الذي يحفز دائما باتجاه ممارسة الاستجابة السريعة، مع التحولات الجديدة في طبيعة التفكير الانساني، والاجتماعي، خصوصا وان الفشل في التأقلم يترك اثارا سلبية، على مجمل الحركة الاجتماعية.

محاولة ايقاف الحركة الطبيعية للمتغيرات عبر المواقف المتشددة، تكشف الكثير من التشوهات في طريقة التفكير السائدة، خصوصا وان عرقلة عملية التطور تكون نتائجها محسومة سلفا، مما يستدعي التحرك الايجابي عوضا من اتخاذ مواقف سلبية، نظرا للتداعيات المستقبلية الناجمة، عن الوقوف في وجه تيار التطور البشري، فهناك الكثير من المواقف الرافضة وجدت طريقها الى الاندثار، وعدم القدرة على الصمود، نظرا لقوة تيار التطور في جرف الأصوات المتشددة، وبالتالي فان اتخاذ المواقف المتوازنة ينم عن ادراك، وقدرة على القراءة السليمة للمنعطفات الاجتماعية، المستندة على ضرورة وضع التطور في المقام الاول، لتجاوز الجمود والانطلاق باتجاه التحول الايجابي.

الموقف الايجابي تجاه المتغيرات، باعتباره جزء من مسيرة التطور البشري، ليس مدعاة لضرب الثوابت الراسخة في المجتمع، خصوصا وان هناك فوارق شاسعة بين الثوابت والمتغيرات، مما يستدعي ايقاف جميع المحاولات التخريبية الساعية، لنسف الثوابت الاجتماعي، فالتطور لا يعني التخلي عن الثوابت، ومحاولة توجيه أصابع الاتهام لتلك الثوابت، فيما يتعلق بالأوضاع غير المستقرة بالمجتمع، وبالتالي فان الدعوة لمراجعة الثوابت تحمل في طياتها أهداف مشبوهة، ”كلمة حق يراد بها باطل“، خصوصا وان الدعوات تنطلق احيانا من أطراف، لا تحمل رصيدا في القدرة على تفكيك الامور، الامر الذي يجعلها حبيسة بعض الافكار، والشعارات غير الواقعية.

الثوابت تمثل الحصن القوي لمقاومة الهجمات القوية، من لدن بعض الفئات سواء الواعية او غير الواعية، فالاستجابة لمحاولات زعزعة الثوابت، تشكل خطورة كبرى على المدى القصير والأمد البعيد، نظرا للتداعيات المترتبة على هذه السلوكيات غير المتوازنة، خصوصا وان البعض يتحرك وفق اجندة واضحة المعالم، تهدف الى للدفع بالمجتمع نحو الهاوية، عبر الدعوات المشبوهة بضرورة التطلع الدائم للتغير، وترك الثوابت التي اكل عليها الدهر وشرب، بينما البعض الاخر يحمل نوايا صادقة ولكنه يفتقر للقدرة على الاختيار الصائب، مما يجعله غير قادر على التفريق بين الثابت والمتغير، وبالتالي فان محاولة التفريق بين الفريقين امر بالغ الأهمية، من اجل الفرز قبل اتخاذ المواقف، تجاه اصحاب هذه الدعوات الملغومة.

يبقى التمسك بالثوابت امر بالغ الأهمية، لحماية المجتمع من التخبط، والانزلاق في متاهات مظلمة، خصوصا وان الثوابت بمثابة الشعلة التي تنير الدرب امام الجميع في احلك الاوقات، بينما الجمود وعدم الاستجابة للتطورات والمستجدات، يكرس الضياع، ويحرم الأمة من الاستفادة من التطور الكبير، فالتمسك بالثوابت ليس مدعاة لرفض جميع التحولات الهادفة، لإثراء المسيرة البشرية بالعطاء، واحداث حالة من التقدم المنسجم مع الطبيعية الانسانية، الداعية للتعاطي المسؤول مع المتغيرات.

كاتب صحفي