آخر تحديث: 19 / 3 / 2019م - 8:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

السلالم والثعابين - 4

بنىَّ: تلون الأشياءِ دليلُ جمالها، وفي الإنسانِ دلَّ على القُبحِ، سوادُ اللونِ يَكملُ في الفتى، كما يُكْمل الليلُ ما ابيضَّ من صُبحِ، ويقبح بالإنسانِ أن يُخفي ذميمَ سريرةٍ، ويظهرهَا حسناءَ ترفلُ في المدحِ، فإن رمتَ خِلاَّ فاختبر حُسنَ خلقه، وإلا بنيتَ الرملَ فوق شواطئٍ، ويأتي الماءُ يهدمُ ما شيدتَ من صرحِ.

ساعةَ نخرجُ من بطون أمهاتنا نرى الألوانَ ولا ندرك معانيها، أشهرٌ قليلة ويشدنا لونُ الزهرِ والورد في الملابسِ والألعابِ المعلقة فوق رؤوسنا، ونشيحُ بأعيننا عن اللونِ الأسود، وفي أعمها تبقى الألوانُ تشد عواطفنا وتجذبها نحو جمالها وروعتها في كل شيء.

ثم نتعرفُ على الصغارِ من حولنا، سنينَ كلها مرحٌ وبراءة، يدفعنا الحب والعاطفةُ وقليلٌ من الإدراك. فعندما نكبر نتأوه لعودة تلك السنين من الطفولة، ولكنها لم تعد لأحد من قبلنا. يختلف لون جلد الأصدقاء في الصغر، ولكن قلوبهم بيضاءَ مثل الثلج، يرقصون على أنغامِ الرضا ساعةً وعلى أنغام المشاكسةِ الساعةَ التي بعدها، لا شيء يسكن عقولهم سوى المرح. هم في الغالب أصدقاء يشبهون الشجر الذي يقوى كلما مرت عليه الأيامُ ثمَّ لا تميته الرياحُ وتقلبات الأحوال!

ما إن نكبر قليلاً حتى تعاكسنا الألوانُ في الإنسانِ ونتعرف إلى معنى السلالمِ والثعابين، أناسٌ نعرفهم اصدقاءَ في الصباح، ونعدهم مع الأعداء في المساء. بُنيَّ: إن استطعت في حكمتكَ أن تعرفَ ألوانَ الأصدقاءِ فأنت صنعت سلالم ترميك في العلو، فالمصانعة والمداراة تخلق الأصدقاء وتحيد الأعداء. يحكى أن رجلاً مرَّ على مقبرةٍ ورأى مكتوباً على قبورِ الأمواتِ أرقاماً لا تتسق وحياة البشر، فلما استقصى السرَّ وجد أن أصحابَ القريةِ يكتبونَ عُمْرَ من ماتَ منهم في عددِ الأصدقاءِ الذين أخلص لهم وأخلصوا له.

بُنيَّ: سوف يكون بين شجر حقولِ الأصدقاء أفاعي تتلون، تارةً تبتسم وتارةً تغضب، وفي الناسِ أسرارٌ وأطوارٌ غريبة لن تعرف خباياها، فإن استطعت أن تداري الحمقى من الأصدقاءِ وتصنع سلالمَ من الأفاعي خيراً صنعت، وإلا عليك الفرح بما خَلُصَ لك من الأصدقاء. لا تنسى أن كل هؤلاءِ الأصدقاء سوفَ يرونك كما تراهم، فإن كانوا حمقى ربما أنتَ الأحمق، وإن كانوا أفاعي ربما أنتَ الأفعى الكبيرة، فانظر إلى نفسكَ في مرآةِ الصدقِ قبل أن تحكمَ لنفسكَ بالبراءةِ وعلى غيركَ بالجرم.

إن كثيراً من الأصدقاء سوف تجمعك وإياهم مساراتٌ إلزامية، هذا كان في الصغر، وهذا كان في المدرسة، وهذا كان في السفر، وبعدها يأخذ كل شخصٍ طريقه في الحياة مَثَلُهُم مثل الذي شاركك الطريقَ وانتهت الرحلة، فلا بأسَ إذا لم يكن الفراق عن ضغينة، فكل حيٍّ يسلك سبيلاً مختلفاً يوماً ما!

بُنيَّ: إن شبهنا خَطَّ العلاقاتِ الإنسانية بمحاور فيها السالب والموجب ورقم الصفر في منتصفها، حينها يكون أقصى الإيجايبة أن تذوبَ في الأصدقاء وهذا لن يكون، وفي أقصى السلبية أن يكونَ الأصدقاء حرباء تتلون وهذا لا يجوز، إذاً، إن لم تستطع أن تكونَ في محورِ الإيجاب سُلَّماً يرتقونَ به، فكنْ في خانةِ الصفر التي إن لم تنفع فلن تضر ولا تكن حية الوادي.

مستشار أعلى هندسة بترول