آخر تحديث: 19 / 3 / 2019م - 8:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

كيف تصبح مثقفا مغرورا

زكي ابراهيم السالم *

يظنُ كثيرٌ من منزوعي دسم المعرفة والوعي والغارقون حتى آذانهم في لجي جهل الحالة الإبداعية أن تسنّم قمم الثقافة مطلب سهل يستطيع كل من كتب حرفاً او قرأ كتاباً بلوغها والتمدد فوقها، وهذا خطأ جسيم وخطلٌ عظيم و«ثوارة» منقطعة النظير، فلكي تصبحَ مثقفاً يُشار إليه بالبنان ويجري مدحُه على كل لسان لابد لكَ من اتباع خطوات أهمها:

أولاً: أن تحرص على استباق اسمك بحرف الدال «د» بمناسبة وبغيرها كتبتَ في تخصصك أو في غيره فمثلاً لو كانت دكتوراتك في «اكتئاب الفقمة ليلة دخلتها» ودبجتَ مقالا أدبيا فضعها ولا تستحِ فالحياءُ مقبرة المبدعين، ولا تبتئس لو سمعتَ حاقدا يفكُ طلسمةَ «دالك» على أنها اختصارُ «دِلخ» أو اختزالٌ «دابة» أو مُلخص «دِثوي» فادفعه بحججٍ قطعيّةِ الدلالة والصدور:

أولا: أن الدابة شُرفتْ بذكرها في القرآن وأنها إنما سميت كذلك لدبيبها على الأرض وأنت بكل فخر تدب عليها ورزقك على الله فما الضير في ذلك.

وهنا يسألني ساقط ثانوي: ماذا عساي أن اسبق اسمي؟ فاجيبه بكل يسر وسلاسة ضع «س ث» والمتخرج منها يضع «ث» فقط، إذن أنت تفوقه بحرف وهكذا..

ثانيا: انشر وبثّ بين الناس أن لك طقوساً لحالتك الإبداعية لولاها لم تستطع أن ترسم حرفا أو ترص مفردة فمثلا قل إنك من غير شرب القهوة بالبُنّ المحوّج على الريق وقراءة جريدة الصباح حتى وان كانت بايتة، وانك من غير تنقيط حنفية الماء ودندنتها في إذنك بحيث يفرق بين دندناتها ثانيتان وربع فلن تستطيع لمَّ المبعثر من أفكارك وهكذا دواليك..

ثالثا: ادخل في أي نقاش تصادفه، تُحسنُهُ أو كنتَ فيه «ثور الله في برسيمه» فلا تتردد لأنك إن لم تفعل قيل عنك خالي الوفاض، مبعثر الأنقاض، وأكثر من مد وقبض ورفع وخفض يديك حتى وان دخلتا في عيني سامعك، وتكلم كالذي يتخبطه الشيطان من المس كلمة عربية وعشراً أجنبية، وأقحم في قولك أسماء كموليير ودوستيفسكي ومنقرع و«حب قرع» ونانسي عجرم وحمارة القايلة، وأضرابهم من العمالقة، وأغلظ من صوتك فهي أشياء لا تشترى ولا يفهمها الا الراسخون في الثقافة أمثالك وهنا سيحسدك الجاهلون وسيعلون من شأن حديثك الذي لا يفهمونه..

رابعاً: لا تُعر اهتماماً للمتطفلين الظانين بك ظن الخير وهؤلاء تعرفهم بسيماهم، وان غُم عليك فستجدهم يعلقون على ما تنشر فإياك ثم إياك أن يغلبك هواك وترد عليهم حتى وان مدحوك فانك إن فعلت ذلك فستنزل من برجك العاجي وسيستوطون حيطك مخترقين هالتك الإعلامية هادمين سدك المنيع الذي بنيته بينك وبينهم بعرق غرورك. وان لم تجدهم هنا فحتما سيتنططون لك في الفيس أو تويتر أو الواتس ويلقون عليك تحاياهم، أوعى ثم أوعى أن تبادلهم عين المشاعر او تكلف نفسك عناء الرد مهما كانت توسلاتهم فهنا سيستلطفونك وربما تفشخروا بين الناس أن فلاناً رد علينا وتتسع دائرة المستوطين حيطك..

خامساً: لا تأكلِ الطعام ولا تمشِ في الأسواق فبفعلتك هذي سيلتفُ حولك الناسُ وهات ياسلام، وسيطوقك المعجبون بكاميراتهم وربما أهدوا إليك أبناءهم لتحتضنهم مكرهاً وتبوّسهم فلو فعلتها وبُستَهم فلا تفارقك تكشيرةٌ أو ينأى عنك قرف لأنك إن ابتسمت فسيكونون عليك لبداً..

سادساً: لا تستعجل بإبداء رأيك في أي قضية ساخنة، وكن مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فربما انتصر طرفٌ كنت ضده، فعندها ستبوء بالخسران المبين، ولكن راقب نتائج الأمور فمن رجحت كفته فاتبعه، وحاول أن توثق في كل قضية رأيين احدهما مع والآخر ضد لتخرجهما عند اللزوم.

بكل ما تقدم وبما لايتسعُ المجال لذكره ستحصل على عضوية «VIP» في نادي المثقفين.

أديب وكاتب سعودي «الدمام»