آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 12:31 ص

ما قبل وما بعد

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

ان تقييم التحولات المعنوية والنفسية والفكرية بعد الاحداث التاريخية العظيمة والمفصلية في حياة الامة امر حيوي. ان حرب الايام الثمانية التي خاضتها غزة صامدة بوجه العدوان الاسرائيلي المتغطرس وما اكتنفته من مستجدات استراتيجية عسكرية وسياسية ميدانية وما اثارته من وقفة شعبية عالمية، تتطلب تقييما لتقديم رؤية وقراءة ما اثارته هذه التحولات.

التحولات التي تمثل تأسيسا جديدا لما سيكون عليه البنيان المستقبلي للصراع العربي الاسلامي مع اسرائيل يمكن الاشارة اليه في هذه القراءة في ما حمله هذا الحدث من تحولات نفسية ومعنوية وفكرية لما قبله. ان الصمود والثبات والمرابطة التي خاضتها غزة بوجه الآلة العسكرية المدمرة بأسلحة شعبية الصنع تدحض مدرسة التثبيط والتقليل من شأن العزائم والهمم سلاح فاعل في هزم الصواريخ الموجهة بالليزر او طائرات الشبح.

ان ما قبل وما بعد رسالة غزة في الثبات تكمن في ذلك البعد النفسي والمعنوي الذي عاشته الامة في عدو لا يرى لها اعتبارا ولا لوجودها قيمة وفي هذا الاندحار والانكسار الذي يعيشه العدو لا لشيء الا لهزيمته التي نبعت من تعاظم خوفه وجبنه الذي خلقهما الثبات والمرابطة. ان مدرسة الثبات والاتكال في بعدها النفسي والمعنوي قوضت ثقافة النعاج التي تجعل من الامة جماعة تساق لحتفها لانه مصيرها المحتوم. واما على الجانب الآخر فالتحول الذي اعترى العدو جذري فيما قبل وما بعد العدوان. لأشد ما يؤلم المتغطرس ويذل المتجبر ان يمرغ انفه من ظن انه وضيع المستوى دوني الاعتبار. هكذا كان اعتبار غزة في منظور اسرائيل التي راهنت حد الافراط على هيمنتها وسلطويتها التي تغذت كثيرا من مروجي السكونية وحب الدعة. وما قبل وما بعد حرب غزة في البعد الاستراتيجي يتمثل في انهيار الخطوط الحمراء التي رسمتها الالة الاعلامية الاسرائيلية في تهويل العقاب العسكري لمن يتجاوزها. ان غزة بادلت الاسرائيلي الرعب والخوف الذي ظن انه خط احمر يفعله ولا يفعل به. ان انتعاش حياة الملاجئ لمدن اسرائيل الكبرى اضحت حقيقة راسخة لانهيار خطوط اسرائيل الحمراء التي طالما راهنت على ان امان مواطنها شرط لامانها المزعوم لغزة. ان اهم الرسائل التي تقرأ بعجالة في ما قبل وما بعد حرب غزة ان العزة والكرامة كانت مددا للصمود والثبات وستصبح اصلا في التربية النفسية والفكرية لا لغزة فحسب بل للعالم في هذا الصراع. واما اسرائيل المتغطرسة المتجبرة ما بعد حرب غزة فهمها فك لغز مفرقعة اسمها صاروخ كيف مرغت جبروتها. ليست غزة ما بعد الحرب هي نتاج صواريخ طالت قلب العدو بل هي تجربة انسان تلاقح فيه حب البقاء والايمان باهدافه. فالتجربة ثرية غنية منها يستمد العالم الجديد الذي ستعيشه اسرائيل والعرب والمسلمون بعد هذه الحرب.