آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

أبناؤنا بين واجب التربية وعشقها

يحد الأمرَ الواجب طرفانِ هما: عقابُ تركِ الفعلِ وثوابُ القيام به وهذا ما يحدنا في الغالبِ عندما نقوم بتربيةِ أبناءنا. هي شيءٌ لازمٌ لنا أحببنا أم كرهنا، شيءٌ يعاقبنا على تركهِ اللهُ والناسُ إن لم نقم به كما يجب ويشكرنَا عليه اللهُ والناسُ عندما نؤديهِ على أحسنِ وجه. أما عشق التربية وحبها فهي حالةٌ تستدعيها الرغبةُ المطلقةُ فيها والقيام بها ”من أجلها“، ومن أجل صناعةِ جيلٍ غير قابلٍ للكسر والعطب ما أمكن، والمُنْتِج باستطاعته أن يفخرَ بصناعته ويعطي ضماناً طويلَ الأمدِ على جودتها.

كثيرٌ هي الرغباتُ التي نُغرم بها حتى الهيام ونقضي فيها ساعاتٍ دونَ أن نشعر بالمللِ أو التكاسل عن القيامِ بها وبعض هذه الرغبات لا تتجاوز حدَّ السخافةِ وإن تجاوزته فليس بعيداً عنه. أما حين يأتي الدورُ للرغبةِ في التربية فهي مسؤوليةٌ ملقاةٌ على عواتقنا ونتأففْ من ثقلها ونرميها في أقربِ محطةٍ نراها في الطريقِ الطويل.

أكاد أجزم بأنَّ صناعةَ الأجيال هي أصعب صناعةٍ بشرية تحتاج جهداً كبيراً ومتابعةً من قبلِ نقطةِ الصفر حتى الممات، فإن أنت نظرت إلى عينةٍ من البشر صغاراً أو كباراً وتفحصتَ في سلوكياتهم وأدائهم في الحياةِ سوف يمكنك العودةُ بالنتيجة للمصنع الذي أنتجهمْ وسوف تعرف الفرقَ بين من أنتجهمْ وبين المصنع الذي أنتج غيرهم دونَ اعتناء، فقط لاستمراريةِ الناتج وعدم انتفاء وجوده.

تتمرد بعضُ الأرواح التي يتعب المربي في إصلاحها ولن يكونَ ذلك بعيداً عن النسبةِ التي لا نستطيع بعدها الوصول للكمالِ في أي مصنعٍ آخر. لازمةُ الجودة أن تكون أعيننا وقلوبنا وعقولنا منفتحةً على أسبابِ تمرد هذه الأرواح رغبةً في تفادي إنتاجِ المزيد منها وتسربها في خط الإنتاج. تبقى المشكلة أنه لا مجالَ ولا فرصة لإعادةِ إصلاح عطب وفساد بضاعة التربية دونما عواقبَ وخيمة.

من البلادة تصوير عملية التربية بأنها سوف تأتي دون تعبٍ وعناءٍ وسهرٍ ومتابعة وتدوين النتائج وتغيير الأساليب، فقط تستدعي الأكلَ والشربَ والصحة والتعليم! بالطبع هي ليست بهذه السهولة فكل الشياطين تحاول مشاركةَ البشر في ذلك الناشئ الصغير وتخريبه. تتأتي تلك التربية والنتيجة في أن نكونَ نحن أولاً القالبَ الذي يراه، ونصنع من أنفسنا أشخاصاً لا يرى الصغارُ تعدد العيوبِ فيهم، فالصغار وإن لم يخبرونا لهم عيونٌ أَحدَّ من أبصار الطيور الجارحة وذاكرتهم تحتفظ بالصورِ السالبة والموجبة التي تشكل خطين متوازيين لنماذجِ أفعالهم في بقية حياتهم.

لم يعد أبناؤنا صفحةً بيضاء ونحن فقط من ينقش عليها ما يريد. بل صار الكثير من البشر والجماد يخط على تلك الصفحة، فإذا لم يكن نقشنا أكثر نصوعاً ووضوحاً في أساليبَ رائعة فسوف يقرأ الطفلُ خطوطَ غيرنا ولن تكون نتائج قراءته في صالحهِ أو صالحنا. إن كل معنى وجودنا في الحياة وما بعد الحياة يتمظهر في أبناءنا، هم انعكاسُ أرواحنا وصدى أصواتنا ومن يبقى بعدنا، فلمَ لا نعتني بوجودنا!

مستشار أعلى هندسة بترول