آخر تحديث: 22 / 7 / 2019م - 1:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

تحصد ما تزرع

عبد الرزاق الكوي

غاضبون.. ثائرون.. مزعجون.. خارجون عن القواعد.. كسالى.. لا مبالين.. يشتكي كثير من الآباء من ابنائهم ورفضهم أي نوع من الوصايا او حتى تقبل الوضع.

من هو هذا الشاب، وهل اصبح شاب مراهق فجأة في يوم وساعة، ما هي مشاكله هو وما هي المشاكل التي يتعرض لها، وكيف نتعامل معه، وهل ننظر له نظرة سلبية من خلال بعض الممارسات التي في الأساس تتسم بها شخصيته. وهل هذه النظرة حقيقية وعادلة، وهل كل مراهق سلبي في سلوكه، وسيء في تعامله، وعنيد في تصرفاته، وعصبي في اتخاد قراراته، وهل الآباء براءة من كل ذلك، ولا توجد مسؤولية على عاتقهم وقاموا بدورهم على اكمل وجه، وهل كل ما يحتاجه الابن مجرد ملبس ومأكل وسكن.

يشتكي أكثرنا من هذه المرحلة من عمر الابناء والانزعاج من تصرفاتهم نقاش طويل مع الآباء الذين يحملون ابنائهم مسؤولية هذه المرحلة، نتفق مع البعض ونختلف مع الكثير في وجهات نظرهم حول تحميل كل المسؤولية على الابناء.

فالموضوع للوهلة الاولى بسيط ولكن مع النقاش والبحث تجد انه يحتاج اكثر من ذلك حاولت الاختصار كثيرا حيث ان ابننا يستحق اكثر من ذلك وان كل مراهق له عالمه وشخصيته وسلوكه وأسلوبه المرتبط يقينا الجو الأسري، الذي نشأ فيه وتعلم منه واخذ الكثير من التصرفات من هذه البيئة.

قبل ان نتكلم عن مرحلة ابنائنا الشباب، نتطرق بشكل موجز وبسيط عن مرحلة ما قبل الشباب، وهي مرحلة لا تقل اهمية عن مرحلة الشباب وهي مرحلة الطفولة، وهي فترة مهمة والأساس القوي لدخول مرحلة الشباب، ماذا فعلنا خلال سنوات الطفولة للطفل، هل تم تهيئته لهذا اليوم، هل اهتمينا به حتى يدخل مرحبة المراهقة بكل طمأنينة، فكل مرحلة تأخذ من سابقتها الزاد والدعم، والقوة، ان ندخلها بثقة، هل وجدنا احد يبدأ دراسته من الثانوية، او يمر بمراحل كل مرحلة تجهز لمرحلة بعدها، من حضانة وروضة وابتدائي ومتوسط الى مرحلة الثانوي، فالابن يمر مراحل من حياته من جنين ثم رضيع وطفل الى شاب، وكل هذه المراحل مهمة واذا اهتممنا بها كانت عونا وسندا للمرحلة التي بعدها، فالتربية مند الولادة والعناية المستمرة، هما الكفيلان عن الشكوى لاحقا، اما اذا تركنا الطفل بلا اهتمام حتى يصبح شابا، عندها لا سمح الله قد فات القطار، والأمنيات تبقى ان لا يخرج القطار عن مساره، وهنا تكون الكارثة، ويقع الفأس في الرأس.

مسؤولية الوالدين كبيرة ومهمة حيث يكتسب الابن من الجو الأسري حركاته وطباعه وعاداته، فالأب والأم هم النموذج الذي يحتذي الطفل به، يحتاج الى حبهم وعلاقتهم بين بعضهم من وئام واحترام متبادل، واستخدام المفردات السليمة بعيدا عن الألفاظ البديئة، فما يشاهده الطفل في الجو الأسري سوف يؤثر على تكوين شخصيته، وبناء ثقته في من حوله، يبدأ الابن يتعلم ممن حوله.

فمن هو هذا الشاب؟

كلمة شاب جاء من شب والذي تعني الاشتعال، ومعي هذه المرحلة الا اشتعال بالطاقة والنضوج والمرح والحيوية والسعي وراء التجارب،

ابسط تشبيه انه كالقمر، هو المنظر الجميل الذي يأخذ الأذهان ويسحر العقول، يمشي حولنا فيأخذ القلوب.

تميزهم في هذه المرحلة تكسبهم تميز في حياتهم المستقبلية، فالجميع ينظر لهذه المرحلة نظرة أمل، لما لها تأثير في حياتهم.

بداية مرحلة الشباب هو البلوغ وهي نقلة من الطفولة الى فترة حساسة يسير فيها اول خطواته الى عالم ثاني تمثل واحدة من التحولات الحاسمة وتتميز بسرعة هائلة في وتيرة نموه، وهي فترة متقلبة مصحوبة بالعديد من التغيرات الجسمية والعقلية والعاطفية والاجتماعية، ذلك ان مسيرة الابن قد تحدد من خلال هذه المرحلة، فإذا دخلها وهو مستعد لها وموجهة بصورة صحيحة فان اثر هذا التوجيه سينعكس على فترة المراهقة وعلى بقية مراحل العمر.

هذه المرحلة يبلور فيها الابن صيغة شخصيته باحثا عن الشكل الذي سوف يقدم نفسه من خلاله امام المجتمع، بالإضافة لتميز هذه المرحلة ببداية حصول تغيرات عضوية وكيميائية في جسد الشاب، تنعكس على نفسيته وطريقة تفكيرهم ومن ثم على تصرفاته، وردود افعاله، من هنا تبدو اهمية ان نتعرف على اهم متغيرات هذه المرحلة وخصائصها حيث تتبعها سنوات من مرحلة المراهقة نساعده فيها على تجاوزها على افضل وجه، اعطاكم الله خيراتها ووقاكم من سلبياتها وشرهها.

فالمراهقة ليست ظاهرة اجتماعية او اضطراب جسدي او مرض نفسي، إنما هي مرحلة أساسية من مراحل النمو، تتميز بحدوث ثورة من التغيرات على جميع المستويات لدى الشاب، تنتح عنها مجموعة من السمات والخصائص. كما عرفها علم النفس، انها اقتراب الفرد من النضوج النفسي والعقلي الكامل، وتشكيل الفرد لمنظومته الخاصة من الأفكار والقناعات والقيم. اما علماء الاجتماع فعرفها بمثابة البوابة الأخيرة التي يصقل فيها الانسان شخصيته النهائية، قبل ان يصبح فردا كامل العضوية، من حيث الحقوق والواجبات والمجتمع.

فالشاب في هذه الفترة الجديدة من حياته تكون له فترة حيرة واضطراب، تتضارب فيها الأفكار بين جد ومرح يتطلع الى تحقيق ذاته، ولهذا عنيت مرحلة المراهقة بالكثير من الاهتمامات لدى المختصين اكثر من غيرها من المراحل النمائية الاخرى، ذلك لأنها ارتبطت في ادهان البعض بحصول الكثير من المشكلات والمصاعب مصحوبة بتوترات وصعوبات التكيف، يكتنفها في بعض الأحيان أزمات نفسية وقلق وكآبة وضجر وخجل وانزواء نتيجة لما تنطوي عليهم من توترات عاطفية ترافقها بعض الإحباط، محاولا فيها الشاب تحديد هويته وتأكيد ذاته بين المحيطين به والمخالطين له، لا سيما أسرته الذين قد يخطئون في تفسير خصائص نموه العضوي والانفعالي. في هذا العمر يسعى الى الاستقلالية وتكوين شخصيته المستقلة عن أسرته والاعتماد نفسه في كل شئونه، صراع بين مخلفات الطفولة، ومتطلبات الرجولة، يدخل في دوامة فوضى التغيرات الشاملة والجذرية حيث تساهم هذه التغيرات الى حد بعيد في اعادة انتاج شخصيته، يميل في هذه المرحلة الى التجربة والمغامرة، يشعر ان كل ما يفعله هو الصحيح، يرفض الوصايا يتدمر من أوامر والديه يرافق كل ذلك لنوبات من العصبية، يعتقد انه بدأ كثيرا للحياة، يندفع الى خلق نوع جديد من أسلوب الحياة الخاص به، ان من ناحية اللباس او التصرفات، يرفض ان يعامل على انه طفل ويشعر بالانتماء الى عالم الراشدين.

كل ما سبق من خصائص مرحلة المراهقة تكون بيئة الأسرة والجو الصحي الذي يعيشه المراهق في الأسرة تأثيرا على هذه المرحلة. فالعلاقة السليمة والناجحة مع الابن في هذا العمر وقبله هو صمام الأمان له.

قال الامام علي :

”لا تربو أبناءكم على ما رباكم آباءكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم“

فالتواصل مع الابن في هذه المرحلة ودائما نركز على قبل هذه المرحلة، هو ما يحتاجه من أسرته، حتى لا يصبح وحيدا في هذه الفترة من حياته، تواصل بناء اساسه شعور الابن بالحب وليس تواصل من فكرة ان جيلهم كجيل ابنائهم، فالاختلاف واضح بين الجيلين في جوانب كثيرة، فالتطور التكنولوجي التي ظهرت أدواته متسارعة في العصر الحديث، والعادات المستحدثة التي يمارسها الابناء تختلف عن الجيل السابق تبعا لتطورات الحياة وتغير سماتها. فالتواصل السلس والودي لا دور المسيطر حيث يؤدي الى نفور المراهق فصيغة الامر في التعامل مع الابناء تؤدي سوى الى مزيد من التنافر والتباعد، فالحوار البناء واختيار الوقت المناسب والملائم للتحدث، مع ترك هامش لإبداء الابن رأيه.

فتأجيل الحوار حتى يصل الابن الى عمر المراهقة ليس لصالح الوالدين ولا الابن، با الحوار والتواصل ومشاركته لعبه وهوايته يبدأ منذ الطفولة وتكون عادة تعود عليها وليس حالة جديدة عليه ان يتقبلها، وعند رفضها يذهب بعيدا في الانصات والتواصل خارج الأسرة وهنا منبع الخطر. فالمحيط الخارجي لابن في عمر المراهقة وتركه وحيدا يعرضه لمخاطر عديدة ولا تحمد عقباها حيث ينساق وراء الأصدقاء وزملاء الدراسة وابناء الحي وهو غير محصن يعرضه للتأثر بأصدقاء السوء والتعلم من سلوكياتهم حيث تكون في اكثر غير صائبة وبعضها خطرة ومتهورة، لا تتسم بالاتزان او التعقل، تصل الى الإجرام والعنف والى مالا تحمد عقباه.

فالأصدقاء في هذا العمر لا بد منه للمراهق فعلى الوالدين التعرف على أصدقاء الابن ومساعدته في اختيار الصديق الجيد والصالح فافضل الأصدقاء هم أصدقاء الطفولة فهي تمت في بيئة نقية خالية من المصالح فتكون الأمتن والأكثر ثباتا، فدور الأصدقاء فاعل في هذه المرحلة فهم يؤثرون في شخصيته وسلوكه، فقبل ان يأخذه أصدقاءه الى متاهات، ان يكون الوالدين صداقة مع الابن.

فالصداقة بين الوالدين والابن تساعد في قبول الابن توجيهات الأبوين بصدر رحب ورضا تام، فدور الشرطي والقاضي لا يفيد في هذه المرحلة وان التضييق على الابن في هذا العمر والصراخ في وجهه عند كل كبيرة وصغيرة، هما العاملان الأساسيان اللذان يدفعان بالمراهقين الى الارتماء في احضان أصدقاء وزملاء السوء، فالابن في هذه المرحلة يشعر انه ليس صغيرا ويزعجه الصراخ عليه من والديه ونظرتهم له انه لا يزال طفلا صغيرا، من الأفضل معاملته بثقة واحترام وتقدير بدون قسوة زائدة وعصبية فالقسوة الزائدة لا تنفع ولا التدليل الزائد كذلك لا ينفع، ولا التدقيق في كل شاردة وواردة من تصرفاته العادية التي تعتبر من تصرفات هذه المرحلة، فوضعه موضع شك وريبة تؤثر على العلاقة مع الابن وعلى نفسيته وضعف انتماءه الى أسرته. الطريقة الأجدى الدخول الى عالم المراهق من مشاركته في أفكاره ونشاطاته وقضاء أوقات معه ومرافقته، حتى نشغل الفراغ الذي يملا حياته بممارسة هواية مفيدة مثل الانخراط في النشاطات في النوادي الرياضية، وللنوادي دور فاعل ومهم من اجل حفظ الشباب وتحتاج النوادي لمرشدين اجتماعيين متخصصين ذا خبرة من اجل الأخذ بيد الابناء وحفظهم فالنادي كمؤسسة لها مسؤولية مهمة، كم يحتاج تشجيع المراهق على المشاركة في النشاطات التطوعية والاجتماعية والمدرسية.

اما علاقة الابناء بمواقع التواصل والألعاب الإلكترونية، فهي تحتاج الى متابعة مستمرة حتى لا يتعرض لمشاكل هذا العالم، فالثورة التكنولوجية الهائلة رغم فوائدها لكن الاستخدام السلبي قتل في الشاب كل ابداع وتعلموا الكسل وعدم الحركة وإضاعة وقتهم الثمين على اللعب مما يؤثر على تحصيلهم الدراسي، وان كثرة قضاء الوقت في هذه الألعاب يؤدي الى التوتر، فاكثر من ساعتين يقضيها الابن في هذه الألعاب يكون اكثر عرضه لمخاطر الإصابة بالأمراض العقلية والعدوانية، وسلبيا في تعامله لانشغال جل تفكيره في اللعبة التي تصل الى حد الإدمان.

بين هذا وذاك علينا ان نعي ونضع امام تفكيرنا اننا جميعا اهل خطأ وتقصير ومرحلة المراهقة بالنسبة للابن مرحلة تجارب وهي من اكثر المراحل التي يمكن ان يخطئ فيها يحتاج الى التعامل بحب وحنان قبله واحضنه عند رجوعه من المدرسة ان يتعلم عند قدوم والده من العمل يتوجه بالأحضان لوالده حتى يتخطى هذه المرحلة بسلام، فوجود الأب مع ابنه وقضاء وقت معه افضل من قضاء وقت في ديوانية او مقهى، يحزن الآباء عند مرض ابناءهم، وتركهم وحيدين هو مرض اخر لا يقل عن المرض الجسدي، فحاجة الابن ليس فقط ان نوفر له الملبس والمأكل والمسكن وتنتهي مسؤوليتنا، ونتركهم للشارع من يربيهم. فهم أغلى من عمارة نهتم بها ولا سيارة تشغلنا ولا متعة عابرة تأخذنا او دنيا فانية، فهم الفخر للدنيا والآخرة، هم فلذات أكبادنا ارواحنا التي تمشي أمامنا، فلنكن لهم المثال والقدوة الحسنة، فهم يرون فينا الأمان فلنكرس بعض من أوقاتنا لأجلهم لنسعد بسعادتهم ونفرح بنجاحهم، نرفع رؤوسنا فخرا بهم، فلنستخدم خبرتنا في الحياة لصالهم.