آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

حين تذوب الفروق

تحت أكوامِ السنينِ تذوبُ الفروق، وتحت ثقلِ الترابِ ليس يبقى سوى مُشاشُ العظام، أنا وأنتَ تحتَ طَنٍّ من الترْبِ لن نحتفي، ولن نعبأْ بما كان يسبق أسماءنَا من ذواتْ، إذ كلها تختفي وتخفق النعلُ فوقَ الترابْ، يطأ الحيُّ قبرنا ليس يدري أنحنُ الذي كانَ يملك الياقوتْ، أم لم يملك القوتَ يوماً، أنحن ضلالاً هلكنا، أم نحنُ كنا قروماً هداة!

يقال أن رجلاً رأى آخرَ يقضي وقتاً طويلاً يقلب عظامَ الجماجمِ في المقابر، فسأله: يا هذا لماذا أنت منشغلٌ بتقليب جماجم الموتى؟ أجابه الرجل: أنا في المقبرة منذ أربعينَ سنةً وفي يدي قشةٌ أقلب بها هذه الجماجم، أريد أن أعرف هل كانت حاويةً لرأسِ غنيٍّ أم فقير، عبدٍ أم حرٍّ، سائدٍ أو مسود، وللآن لم يبدو أنها تختلف عن بعضها!

من الغباءِ ونحن نحثُّ الخطا نحو التعرِّي الأخير، أنْ بين تعري الولادةِ والمماتْ، نسينا أننا نطفةٌ تنتهي في رفات. قصيرةٌ هي الحياة أن نقضيها في تصنيفِ مظاهر البشرِ دون الاعتناء بالجوهر. الله! كم نولد أبرياء لا يهمنا لونُ الطفل الذي نلعب معه، أسودَ كان أم أبيض أم غني أو فقير، وبعدها يزرع فينا الكبارُ حبَّ الألوانِ وتقديرَ المسافاتِ التي نتركها بين الأجناسِ والأعراقِ والطوائف، ونحن ننمي البذرةَ ونكبرها.

الأرضُ تزرع ما يكفي، والسماء تُمطر ما يكفي، فلماذا الخصام؟ نعم، لن نستطيعَ محاربةَ الطواحين دفعةً واحدة، فمن الأسهلِ علينا أن نحاربها واحدةً واحدة. هكذا نقسم البشر إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ مختلفةٍ في اللونِ والدين وفي كل شيء يمكنه أن يضم مجموعةً من الناس، وبعدها نقنع أنفسنا أن المواجهة أقل كلفة.

أتعرف كيف يمطرنا الركام؟ نحن جُزيئاتٌ من الماء، نختلف في علونا وفي أحوال مادتنا، غازيّة أو سائلة أو صلبة، تتدرج في ألوانها من الأبيضِ النقي إلى الرمادي الغامق. تتصادم الغيومُ وتتعانق الجزيئاتُ حتى يثقل على الغيومِ حملها، حينها يتساقط المطر. أليس هذا نموذجاً لنا أن نمطرَ الأرض بالسلام في وحدتنا مع اختلافِ ظاهرنا وتوحد جوهرنا؟

يجب أن نمتاز عن غيرنا كيف نقضي حياتنا في المسيرِ إلى الترابِ مرةً أخرى،  وليس من أيِّ ترابٍ جئنا مجبرين لم يكن لنا اختيار ألواننا وأصنافنا، وحتى دياناتنا في الغالبِ ورثناها عن آباءنا ولم نسأل عنها:

نسي الطينُ ساعةً أنه طينٌ

حقيرٌ فصال تيهاً وعربدْ

وكسى الخزّ جسمه فتباهى

وحوى المالَ كيسه فتمرّدْ

يا أخي لا تمل بوجهكَ عنّي

ما أنا فحمةٌ ولا أنت فرقدْ

أنت لم تصنع الحرير

الذي تلبس واللؤلؤ الذي تتقلّدْ

أنت لا تأكل النضار إذا
جعتَ ولا تشرب الجمانَ المنضّد
أنت في البردةِ الموشّاة مثلي
في كسائي الرديم تشقى وتسعدْ
"إيليا أبو ماضي"

مستشار أعلى هندسة بترول