آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

زاد المسافر

يقترب شهرُ رمضان المبارك في اعتدالِ طقس أواخرِ شهر نيسان، في الشرقِ نحب أزمانَ القمرِ في هدوئه ورقته والغربُ يهوى أزمانَ الشمسِ في حرارتها وانفعالها، ولعله تكاملٌ كوني يوجب حقيقةَ التكاملِ الإنساني التي تبقى عصيةً على المنال. أبناءُ جيلي جاء عليهم شهرُ رمضان في كل الشهور وكل الفصول مرتين في تذكيرٍ أن قاطرةَ العمرِ تسري وفي كل يومٍ يصعد فيها جمعٌ ويترجل منها ?خرون.

محطاتٌ زمنية في هذا الشهر تفرض على المسافرِ في الدنيا أن يستريحَ أياماً في ساحاتِ خالقهِ وعقلهِ وفكرهِ وجسدهِ، ويلملم شملَ ما استطاعَ من علائقَ تتداعى كل يومٍ وتهترئْ مثل الخرقِ الباليه. نُعمل الفكرَ كيف صرمت جرذانُ الزمنِ والمادة ما بقي للإنسان أينما كان من روابط، وكيف هي الأيام تعاطي الدولَ والمجتمعات والأفراد بين يسرٍ وعسرٍ وشدةٍ ورخاء، والحضارات بين بزوغٍ وأفول! من كان في القمةِ لا يجوز أن يركن للبقاء فيها إذ القوة الجاذبة تكون أقوى من بقية النقاط، ومن يسير للإرتقاء نحو القمةِ سوف يكون هناك حتماً.

محطاتٌ نحن فيها مثلنا مثل من يسافر طريقاً طويلة ما يلبث أن يستريح في أحدِ الأماكن يأخذ فيها قليلاً من الزادِ يوصله لما بعدها من مقصد. وتتكرر هذه الوقفات في السنةِ والأشهر والأيام مرات عديدة تذكراً لنا أن قطار السفر يسير والعمر يجري ولا بد للمسافر من شيء من الزاد ولو القليل. ليس من الترفِ أن أدعوك لخير مؤونةٍ في طريق وهي ترقب الرحلة وإبداع الفكر والعقل في مرامي الرحلة وأهدافها والتبضع فيها لمواصلةِ السير. وليس من الترف أن ننظر سوياً إلى القادمِ القريب والقادم البعيد، هذا يعطينا الحياةَ يوماً بعد يوم، وذاك يعطينا المددَ والأملَ بأن في العمرِ متسعٌ لتحقيقِ بعض الأمنيات والرغبات. عندما يجوع البطن يتعرى الفكر ويتكشف وانكشاف الفكر هو عبادة دعانا إليها الله أن نتفكر في كل شيءٍ، بدأً بأنفسنا وانتهاءً بالكون.

أيامٌ نذكر فيها من مشى معنا في دروب الحياة وانعطف منها إلى الفضاءِ الأرحب ولم يعد بيننا، وهي أيامٌ نرجو فيها للمَكْلُومِ أن تشفى الجراح، والغائب أن يعود للوصال، والفقير أن يستغني عن السؤال، وللمتعب أن يحط الأحمال. وأنا وأنتَ تطوف أرواحنا نحو السماء في دقائق وساعات الشهر راجين النوال، قولوا معي يا الله!

مستشار أعلى هندسة بترول