آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأرضُ في الإنسان

الإنسان ابن البيئة ولا شيءَ أوضح من أثز الأرض والماء والهواء والمناخ في تلونِ خصائصِ الإنسان وتنوعها. ابن الجبل لا بد أن يكونَ صلباً قوي المراس يصعد ويهبط المرتفعات ويقاسي برودةَ الجو، وابن السهول وادعٌ لطيف يمشي في انبساطِ الأرض دون الحاجة للخشونةِ والصلابة. في كل الفصول وحرارتها وبرودتها وما ينبت فيها لونٌ من ألوانِ الإنسان وفي عناصره الكثيرة عناصر التراب الذي جاء منه.

خاصيتان كنا نبحث عنهما في تنقيبنَا عن النفطِ والغاز والماء تحتَ أعماقِ الأرض يقربانِ من خواصِ البشر وهما: خاصيةُ المسامية وخاصية النفاذية، ومتى ما وجدناهمَا مجتمعتانِ بنسبٍ كبيرة كنا نستبشر بوجود مكمنٍ وافرٍ في طبقاتِ الأرض. ومتى ما فقدنا أحدهما احتجنا إجراء المزيد من العملِ لإتمام المهمة إن أمكن. نعرف المسامية في علومِ الأرض بأنها:

”نسبة الفجوات في الصخور والأتربة التي يمكن أن تكون متوفرةً ويسكن فيها الماء أو النفط السائل أو الغاز. لا بد من وجود هذه الفراغات بين الصخور وتحت الأعماق وإلا لن يكون هناك شيء ذو قيمة يمكن البحث عنه“. لكن هذه الخاصية ومع أهميتها لا بد أن تلازمها خاصيةُ النفاذية وهي:

”العامل المؤثر في حركةِ السوائل من منطقةِ التخزينِ إلى منطقة التفريغ وببساطة يتوافر الكثير من هذه الخاصية عندما ترتبط الفجوات ببعضها البعض وتشكل طرقاً وممراتٍ صالحة لهجرةِ ما في باطنِ الأرض تحتَ الضغط إلى فوهةِ البئر وبعدها تندفع هذه السوائل نحو سطح الأرض“.

تذكرني هاتان الخاصيتان بما قد يحويه الإنسانُ منفرداً من علومٍ ومالٍ واقتدار لكنه يحتفظ به لنفسه. وفي هذه الحالة تبقى هذه المادة الغالية الثمن حبيسةً عديمةَ الفائدة إلا أن يخرجها. وتتوافر خاصية النفاذية في الإنسان عندما تتشابك قوى الأفراد فيما بينها ويسري ما تحويه من علمٍ ومادةٍ وإبداعات وتجتمع مندفعةً خارج الفردِ والجماعة إلى الفضاءِ الأرحب، إلى بقية أفرادِ المجتمع والإنسانية إن أمكن.

إن كانت الأرض بخيلةً في عطاءها لمن يعيش عليها افتقر واضطر للهجرةِ عنها إلى غيرها، وإن كان الإنسان بخيلاً بما تفرد به من علومٍ وثروةٍ وإبداعات بقيت في دائرته الضيق ولم تنفع أحداً سواه إن نفعت أصلاً! وكما أن الأرض يمكن معالجتها وتشجيعها على العطاء من فوقها ومن تحتها، يمكن معالجة وتشجيع الإنسان أن يعطي أكثر مما اعتاد.

ربما لو تركت عواملُ البيئة الصخور أن تتشكل الصخور على سجيتها لامتلكت ما يكفيها من المساميةِ والنفاذية وامتلئت بما ينفع الناس. وكذلك البشر لو بقوا في طبائعهم النقية، لم تشوها البيئةُ وظروف المكان والزمان المحيطة بهم ومن حولهم أعطوا غيرهم دون حدود!

مستشار أعلى هندسة بترول