آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

في يدِ الله

قال صغيري بقي معي ريالاتٌ من السنةِ الدراسية وكلما خرجت معكَ أحتار أن أشتري بها شيئاً لي أو أعطيها من أراه يسأل الناسَ جودهم ونوالهم. أُحب أن أعطيهم لكن لا أعرف هل هم جوعى؟ أليس لديهم أبناء يعتنون بهم بعدما كبروا؟ هل صاروا فعلاً عالةً على غيرِ عيالهم؟ ثم أنه يا جدي اختلط الصدقُ بالكذب فصارَ العنوانُ ”كاذبٌ حتى يثبت صدقه“، كيف أعرفهم؟ قلت له اجلس أحكي لك حكايةَ كيف تعرفهم، وهي حكايةٌ قصها لي جدكَ الثاني:

قال لي جدك أنه كان جالساً ذاتَ مرةٍ بين الناسِ وإذا به يرى رجلاً جاء نحوه وهمسَ في أذنه بصوتٍ لا يكاد يُسمع: ”هل عندك خمسة ريالات“؟ لم يتردد جدك وسحب المبلغ من جيبه دون أن يشعر به أحدٌ وناوله إياه. ثم بعد أيامٍ جاءَ الرجلُ مرةً أخرى ولكن ليس ليطلبَ المزيدَ من المال، إنما ليضعَ الخمسةَ ريالات بكل رقةٍ في جيب جدك. أصرَّ جدك ألا يقبلَ المبلغ لأنه كان مبلغاً تافهاً ولم يكن يتوقع أن يعيده الرجلُ إليه. تجادلا قليلاً ولكن الرجل قال بكل امتنان: ”هي حاجةٌ وانتهت ولم أعد محتاجاً“. قبل جدك المبلغَ ولكن الحادثة حفرت في عقله كيف يميز بين السائلِ الفقير وغير الفقير.

كان جدك يقول: الفقير هو من يأخذ من يدك المالَ ويتمنى أن لو تنشقَ الأرض ولاترى ماءَ وجهه ينساب من عينيه. الفقير مهما قلَّ ماله لا يقل شرفه وعزته وكرامته. إذا سألَ وأعطاه الناس شكرهم وشكرَ اللهَ وإذا منعوه شكرَ اللهَ واستزادَ من فضله ولم يذمَّ الناس. إن أنت أردت أن تعرفهم فهذا عنوانهم ”يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ?“. لن تراهم على أبوابِ الأغنياءِ أو أصحاب القوة والجاه، بل يسألونكَ ويقفون على بابك أنتَ لأنك فقيرٌ مثلهم تحس أحاسيسهم وتستشعر ?لامهم، هم أنت وأنت هم. لا يصرونَ ويلحونَ في الطلبِ والسؤال مثل الفقراءِ الشحاذين الذين يلحون في الطلبِ من الناس، فهم يمتنعون عن السؤال فضلاً عن الإلحاف، إذ أن الإلحاف في الطلبِ شيمة ذوي الحاجاتِ العاديين. إذا اضطرتهمْ الحاجة إلى إظهارِ عوزهم فإن صمتهم ومنظرهم يكشف عن حاجتهم بأسلوبٍ مؤدب أمام من يسألون.

إن عثرتَ عليهم وأعطيتهم فإنما تعطيهم يقع في يدِ اللهِ قبل أن يقعَ في أيديهم. أجمل العطاء أن نعطي من يسأل ونحن نعرف حاجته والأجمل منه أن نعطيهِ قبل السؤال، لأننا إذا انتظرنا السؤالَ كان عطاءنا كرماً وإن أعطينا قبل السؤالِ كا عطاءنا جوداً، وفي كلٍّ خير!

مستشار أعلى هندسة بترول