آخر تحديث: 5 / 7 / 2020م - 1:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

شهر رمضان بين العبادة والترفيه

عباس سالم

قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان.

كان شهر رمضان المبارك شهراً من بين الشهور يستقبله المسلمون بالعبادة وترويض النفس على محاربة اللذات والشهوات، واليوم أصبح شهراً من الشهور حيث يطغى فيه الترفيه على العبادات، والمصيبة الكبرى هي مع تباشير شهر رمضان المبارك، تظهر بين الفينة والأخرى إعلانات تشد الأنفاس في القنوات الفضائية، عمّا هو جديد من الأغاني والأفلام الهابطة بكلماتها ذات الإيحاءات الجنسية ومشاهدها المتعرية.

الأفلام التي توظف لها نجمات الإغراء فحدث ولا حرج، والمسلسلات التي تدخل كل بيت من دون استئذان، مخاطبة الغرائز ومتجرئة على الترويج لكل قبيح، ابتداء من الخيانات الزوجية، وحتى علاقات المحارم، كل ذلك إضافة إلى البرامج التي تدعي التحرر والانفتاح، والتي تدور في معظمها حول التشكيك في القيم، والمبادئ، والعفاف، والستر! وإن شهر رمضان المبارك هو شهر الله تعالى الذي خصه بالعبادة والطاعة له سبحانه، وليس لهذا العفن الفني والدراما الهابطة من المسلسلات والبرامج التي للأسف تتسابق لبثها أكثر المحطات العربية كل يوم.

الكثير من الناس في شهر رمضان يتناقضون مع أنفسهم في ازدواجية السلوك، فتراهم في شهر رمضان المبارك يتزاحمون على الصلاة في المساجد وختم القرآن الكريم ويكثرون من فعل الخير كالصدقات ومساعدة الفقراء والبحث عن الأيتام وغيرها من فعل الخير، ثم هجران تلك الأعمال أو تقليلها بعد انقضاء شهر العبادات والطاعات، ويحرصون على الحضور إلى مجالس الذكر في المساجد والحسينيات وبعد انقضاء ليالي القدر يقل عددهم بصورة ملحوظة، وكأن الرب في شهر رمضان ليس هو الرب ما بعد رمضان..!!

عندما سأل رسول الله ﷺ صحابته: "أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ فقالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إنّ المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة: بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم يُطْرَحُ في النار. «المصدر الريشهري محمد ميزان الحكمة دار الحديث، الطبعة الأولى ج 3، ص2444».

والكلام واضحٌ كالشمس، إنسان يغتاب ويأكل ما ليس له، إنسان يأكل مال اليتيم، إنسان غمَّاز لمَّاز، ويصلي، ويصوم، ويحج كلَّ عام، ومصيره إلى النار! فالدينُ عبادات تعاملية وليس عبادات شعائرية فقط، والعباداتُ التعاملية هي أن تكون صادقاً وأميناً وعفيفاً ومنصفاً ورحيماً ومتواضعاً، وعندما تصح هذه العبادات التعاملية تصح للإنسان عباداته الشعائرية من الصلاة والصوم وتكون مقبولة ونافعة.

كثير من الناس في المجتمع يتوهمون بأنّ كلَّ من صلى وصام وحج فهو مسلم حقيقة، وأنّ الدين هو الصلاة، والصيام، والحج فقط! لكن المسلمُ من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمنُ من أمِنه الناس على أموالهم وأعراضهم، أي أن الصفة الصارخة في المؤمن ليست صلاته، ولا صيامه، ولا حجه! بالرغم من أهمية ذلك في الإسلام لكن الصفة الصارخة تكمن في صدقه، وأمانته، وعفته، ونظافة قلبه من الأمراض الاجتماعية.

خلاصة الكلام هي أن شهر رمضان المبارك هو شهر الله تعالى الذي خصه بالعبادة والطاعة له سبحانه، ولترويض النفس على محاربة اللذات والشهوات، وليس لذاك العفن الفني والدراما الهابطة من المسلسلات والأفلام التي للأسف تتسابق لبثها أكثر المحطات العربية كل يوم.