آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

”يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا“

سرت الحرارةُ في أواخرِ فصلِ الربيعِ في الطبيعةِ فاستيقظت الأشجارُ بعد سكونها وهجعتهَا في برودةِ فصلِ الشتاء وحملت الثمار، واستنهظت الحرارةُ الورودَ في ألوانها وروائحهَا، كلٌّ له لونٌ ورائحة. هكذا هي طبيعة قانونِ الاستقرارِ والحركة الذي قولبهُ العالم إسحاق نيوتن في الصيغةِ التالية:

”يظل الجسمُ في حالتهِ الساكنة «إما السكون التام أو الحركة في خطٍ مستقيم بسرعة ثابتة» ما لم تؤثر عليه قوةٌ تغير من هذه الحالة“.

كل شيءٍ في الحياةِ من الذرةِ في أصغرِ عناصرها إلى المجرةِ في أكبرها يسعى جاهداً ليكونَ مستقراً فما نراه من اشتباكاتٍ بين عناصر الكونِ والطبيعة ليس إلا حراكاً ينشد الإستقرار، ونحن نرى انعكاس ذلك الحراكَ إما سلباً أو إيجاباً إذا حصرنا الكونَ في أنفسنا وليس في عالمنا الكبير. وإذا نظرنا للصورةِ الشاملة، سوف نرى أن هذا الحراك هو ما ينتج لنا الحياةَ، إذ لو لم تجد ذرتي الهيدروجين الاستقرارَ في اتحادهما مع ذرةٍ من الأوكسجين لم يتشكل ويتكون جزيء الماء ولم توجد الحياة!

كانت هذه مقدمة لعقدٍ بيني وبين الصغار من أبنائي أن يعطوني مادةً أكتب لهم فيها ومن أقبل منه العنوانَ أهبهُ جائزةً نقدية. وها نحن نرى أن في كل حركةٍ أو سكون دافع، فلو لم تكن الجائزة لم يكن للصغار دافعٌ نحو العمل أرفع من قوةِ الصفرِ التي ينامونَ أو يلهونَ عندها. قانون الحركة أو الإستقرار هو موجودٌ في أجسادنا وفي فكرنا وفي كل الأشياء من حولنا، في الحياةِ وبعد الممات.

جاءَ في المثلِ العربي: ”لو تٌرِكَ القطا لغفا ونام“، والقطا هو طائرٌ جميلُ الشكل يعيشُ بالقرب من مصادرِ المياه، ريشُ ظهره مخطوطٌ بخطوطٍ متشعبة مثل ظهر القط البري، غالي الثمن لا يكف الصيادونَ عن مطاردتهِ ليلاً ونهاراً، فكان هذا الطائر لا يهجع لكثرة مطاردته ويطير باستمرارٍ حتى لا تصطاده الفخاخ. وعندما نكون نحن القطا، الذي هو الطائر الأجمل والأثمن نطير في الدنيا وتطاردنا نهاياتُ الحياة، لا بد لنا من أن نفعل قانون الحركة وننامَ كلَّ يومٍ فوق غصنٍ من شجرةٍ غير الذي نمنا فوقه بالأمس، أو لا ننام إن استطعنا!

طبعاً لا تسألني عن حركةِ الإنسان أو بعضه فلربما أضر العقلُ بصاحبه كثيراً، يخالف نمطَ الطبيعة ثم يفقد عناصرَ الاستقرار ويهلك! ومنذ القدم [ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى? نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ «42» قَالَ سَآوِي إِلَى? جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ? قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ? وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ «43»، سورة هود].

عناوين في أيامٍ نتحرك فيها نحو أن يرثَ الصغارُ الأدبَ في شيءٍ من العقلِ والجسدِ والروح، نرى فيها اللهَ ونتواضع له في الحركةِ والسكون فلا نغرق وتستوي سفينتنا على الجودي بعد أن تبلعَ الأرضُ ماءها وتقلع السماءُ عن المطر وقبل أن نسمعَ النداء: " بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"...

مستشار أعلى هندسة بترول