آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 10:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

حبات رمل

يقال أن الحياةَ دقائقٌ وثواني وحباتُ رملٍ تنزل. تلك الحباتُ التي تنزل واحدةً تلوَ الأخرى هي الفرصةُ الوحيدةُ لنا على الأرضِ لكي نحققَ فيها تطلعاتنا ال?نية والبعيدة ولكن كيف نحنُ وحباتُ الرمل؟ هل نعدها ونحافظ عليها ام ندعها تتسرب من ساعةِ الرملِ دون اكتراث؟

في علمِ الرياضيات ما يمكن إحصائه وعده من الأشياءِ هو عددٌ متناهٍ يمكن إعطائه قيمة مستنفذة، وهكذا هي حباتُ رمل العمر يمكن عدها، وما لا يمكن عده هو لا متناهٍ في القيمةِ ويصل إلى ما لا نهاية وتبقى العبرةُ في الإحساسِ بالندرة، فلو ظننا أن سلعةً ما سوف تنفذ من السوقِ ولن تتوفر وأقبل الناس على شرائها سوف يتضاعف سعرها، فماذا عن عمر الإنسانِ الذي هو سريعُ النفادْ ولن يوجد لنا إلا مرةً واحدة؟

يخدعنا العقل الباطن أن لدينا الكثير من حباتِ الرمل فلا بأس أن يطير بعضها في الهواء، ثم نأخذ زمام المبادرة، لكن حقيقة توالي الأحداث الذي يتجلى أكثر ما يتجلى بتوالي الليل والنهار وتعاقب الأيام، تحتم أن الزمن لا رجوعَ فيه ويفرض علينا تخيله بشكل نهرٍ جارٍ باتجاهٍ محدد للأمامِ لا عودةَ فيه ولا ينعطف يمنةً أو يسرةً، وكل حبة رملٍ لها قيمةٌ عددية. في نهر الوقت تأتي نقطةُ الإنقلابِ في منتصفِ عمرنا الذي الذي يبقى التحدي أننا نجهله تحمل كلُّ لحظةٍ قيمةً نسبيةً أكبرَ من اللحظةِ التي سبقتها، وحتى مع هذا الإدراك لا ننفك  تنعامل مع العمر أنه لـ ينتهي.

اهتمامنا بالوقت لا يعني عدم المتعة فيه، بل يعني أننا لن نعرف القيمة الحقيقية للجد واللعب إلا حين يذهب العمر كله ويُنتزع منا الزمن. شيئان تحاول المدنية الحديثة الاستيلاء عليهما بثمنٍ بخس: عقول الناس وحياتها، ومتى ما استولت على العقلِ فهي تحصل على العمرِ دون مقابل، ونحن الضعفاء علينا المكابرة في الإحتفاظ بعقولنا من أجل حياتنا وما بعد حياتنا.

الزمن هو البعد الأهم الذي بإمكانه أن يحيينا ويميتنا، وهو الأندر في الأبعاد ولا نستطيع صنعه  و ساعةُ الرمل لن تتوقف عن هدر الرمل حتى حين موتنا المحتم، فهلا اعتنينا في تلك المادة التي هو جوهر حياتنا فيما يعود علينا بقيمةٍ أكبر منه!

مستشار أعلى هندسة بترول