آخر تحديث: 18 / 7 / 2019م - 1:54 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ما اغنى عني صياميه؟

سلمان العنكي

فُرض علينا الصيام عيناً بضوابط شرعية متى نمسك؟ متى نفطر؟ عن اي شيء نمتنع؟ عقوبات عند المخالفة قد تصل الى تعزير جسدي، أحكام يلزمنا التعبد بها.

ومع ان الصوم واجب شرعي وركن اسلامي الا انه يعالج حالات ليس لذاته بل تتعدى الى سلوكيات الصائم نفسه بمعنى يهيئ لمفاهيم اخرى قد لا نصل اليها الا به.

لا نمتنع عن الاكل والشرب لأجل الصوم فقط وإن كان هو الاصل والوجوب لكن هناك امور تعقبه تعني جميع حياة الانسان الفكرية والمادية والمعنوية والاخلاقية والعبادية نذكر بعضها مختصراً:

اولا: تطوير الذات يتجلى هذا من التوجيهات المحفزة والتي لها خصوصية، مثلاً من قرأ فيه آية كان كمن ختم القرآن فيما سواه أو فيما ذلك. وان كان الظاهر تعظيم الاجر والحث على زيادة القراءة الا انها ايضاً دعوة صريحة لتعلمه وتنمية افكارنا ورفع مستوى الذات عندنا.

من منا يقرأ القرآن بتمعن ولا يشعر بإحساس نفسي وجسدي وتوسع معارف ومدارك؟ من يكرر القراءة بوعي كأنه تخرج من ارقى الصروح العلمية لعظيم ما تحويه آياته. وقتها يقول بالصوم نلت شرف العلم وعظيم الاجر ما كنت انالها في غيره من الشهور.

ثانيا: الانضباط، الصوم يعطينا دروساً في ضبط الوقت فلو اكلنا بعد المنع او سبقنا الادن عمداً بدقيقة واحدة فسد صومنا وأُثمنا وحُمّلنا الجزاء، الوقت قيمته ذهبية، تنظيم المأكل والمشرب ما هو الاصلح عند افطارنا تناوله وما يؤذينا منه فنتجنبه لنتعلم المعالجة عند فراغ المعدة حتى خارج شهر رمضان انها وصفات طبية مضمونة، حديثنا ونقلنا ان نكون صادقين لو نقلنا أو قلنا كذباً عمداً في حالات يبطل صيامنا، ما نتعلمه اليوم نتعامل به غداً حتى نقول اغنى عنا صيامنا.

ثانياً: تنقية الروح ووحدة المجتمع وترك الانا، نرى ذلك جلياً في بعض الادعية المعنية فيه منها الدعاء المأثور وهو منظومة مطالب متكاملة للأموات والاحياء «اللهم ادخل على اهل القبور السرور اللهم اغني كل فقير» كل أو ضمير الجمع.

هل فهمنا ماذا تعني؟ أليست لمن نعرف ومن نجهل من نحب ومن نكره؟ دون طبقية او طائفية او مذهبية او تخصصية ويمكن تتعدى بعض عناوين هذا الدعاء لغير العاقل «اهل الاختصاص اعلم بذلك» عندما نقول اللهم اشبع كل جائع هل نعي الدرس الاخلاقي لهذا البعد؟ هل اثرت هذه المعاني فينا وابعدت عنا الانانية والحقد والحسد والكراهية تجاه الاخرين؟ او نقرأ بأعيننا دون عقولنا اذا كنا كذلك. ما اغنى عنا صيامنا؟

ثالثا: من سنوات رأيت وقت الافطار في الشارع امرأة باكية لو رآها من قلبه اشد قسوة من الحجارة لبكى لحالها موقف صعب المشاهدة. الصيّام على موائد الافطار وافطارها دموع ممزوجة بشجى الى الان كلما تخيلت اعتصر ألماً. أدخلتها زوجتي البيت اتصلت بزوجها ليتضح ان سبب المشكلة بين الاب واحد الاولاد في امرٍ تافه لا يستحق الذكر. وعقاباً طُرد الولد وطُردت الام تباعاً دون ذنب او تدخل منها الا انها أُمه، وكان ماسكاً سكيناً لطفاً من البارئ لم تُصاب بسوء، هذه اخلاق انسان فضلا ان تكون اخلاق صائم؟ ما اغنى عنه صومه؟

رابعا: لو همسنا في عقولنا وتساءلنا ماهي اولويات اهتمامنا في هذا الشهر. نجد البعض بدلا من ان يتعلق قلبه بالعبادات والقرآن واهداف الصوم متعلق بأكل وزيادة نوم.

اذا دخل شهر رمضان عنده مصيبة وعند زين العابدين خروجه مصيبة، ولكن فرق بين المصيبتين.

مصيبة زين العابدين لأنه استقبله معشوقاً بقلبه وعقله فرحاً بأهدافه السامية ففراقه مصيبة حقيقية عنده وصعب عليه ومصيبتنا استقبلناه ببطوننا دون قلوبنا وعقولنا وغيبنا تلك الاهداف. فمتى نفرح بفراقه لنأكل متى شئنا ونتلذذ بما عنه مُنعنا؟ فما اغنى عنا صيامنا؟

خامسا: لا خلاف ان تكون هناك جمْعات للأصدقاء وزيارات متبادلة في هذا الشهر بل هو امر طيب ومحبب وبعضها مندوب اليه. ولكن ليس على حساب مبادئ الاخلاق صلة الارحام تحسس هموم الاخرين التخفيف عن المديونين قضاء حوائج المحتاجين. والا ما اغنى عنا صيامنا؟

سادساً: الصوم يعلمنا الصبر المادي لنحس بمعاناة الضعفاء وما يتحملون من ضيق العيش والصبر المعنوي بالعفو عن الجهلاء والمعتدين والصبر عن المعصية وعلى الطاعة هناك رجال طلقوا ملذاتهم اعتكفوا في المساجد خرجوا من دنياهم لمرضاة خالقهم صيّاماً قيّاماً.

علينا جميعاً ان نحاسب انفسنا قبل ان يحاسبنا الشهر الكريم ويطالب بحقوقه، هل انهينا خصاماً؟ هل تفقدنا جاراً؟ هل سألنا رحماً ان كان محتاجاً؟ هل قضينا حاجةً؟ هل مسحنا عن يتيم دمعةً؟ هل عفونا تفضلاً؟ هل اوصلنا عن موتانا صدقة؟ اذا لالا فما اغنى عنا صيامنا؟ نسأل الله التوفيق للجميع في هذا الشهر لفعل الخيرات والمغفرة والرضوان والفوز بالجنان.