آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

خَدَرُ السنين

يولد الضغطُ في الطبيعة انفجاراتٍ لا يمكن استشراف جمالها أو قبحها، إنما في الإنسان يولد ضغطُ الحاجة في الغالب دافعاً نحو الإبداعِ والعمل. تأتي معركةُ الإنسان مع الحاجة على خلاف معارك البشر، يخطئنا البارود مراتٍ عندما نكون في حركة، منتصبي القامة، لأن الحيز الذي يشغله جسمنا واقفين يمكننا من المناورةِ وصد البارود. بينما إن كنا قاعدين أو منبطحين فاحتمالية أن تصيبنا نارُ البارود أكبر منها بكثير.

يكذب عليك من ينصحك بالراحة، فهو كمن يقول لك انْزَوِ جانباً ومت! أعطانا اللهُ أدواتٍ للحركة والفكر والعمل وهي تموتُ عندما لا تعمل، وإن أردت أن تعرف كيف تموت هذه الأدوات إذهب للمشفى سوف ترى الأطباءَ يحركونَ أيدي وأرجل من فقد الوعي، فلو تركوها دون حراكٍ نسيت حاجتها للحركة ولن تعرف كيف تتحرك من جديد. أدواتٌ كلما استعملناها ازدادت قوةً وصلابة وتجددتْ خلاياها وكلما تركناها ازدادت وهناً من أدمغتنا في أعلى طاسةِ رؤوسنا إلى أطرافِ أصابعِ أرجلنا.

يكدح فقراءُ العالم من ساعة خروجهم من أرحام أمهاتهم حتى لحظة موتهم، وتعطي المدنيةُ الحديثة بعضَ البشر فرصةً للإستغناء عن العمل من أجل المال. تعطينا الفرصة ولكنها تزرع في عقولنا أنها وقتٌ للتسكع والراحة والتبضع، بينما هي فترةٌ في أعمارنا القصيرة علينا أن نرتدي فيها بزةً جديدة لم نكن نستطيع ارتدائها من قبل، يوم كنا في حاجةٍ للمال. في الحياة متسع لكل منا أن يضيف قيمةً لها بمقدار ما يستطيع سوى أن يهرمَ ويموت.

يقال أننا نعود صغاراً عندما نكبر، فلم لا نعود صغاراً نتحرك ولا نتوقف عن الحياة؟ ألا نرى من يكبر ويترك العمل يهرم ويموت بين ليلةٍ وضحاها! من الممكن أن ما نفعله في وقتنا لا يفيد الكثير ولا يغني الفقير، ولكن هي أنانية الإنسان وحب الذات لابد أن يدفعنا أن نكون فيها بين الأحياء. ليس في الكون فراغٌ وما نحسبه فارغاً هو لأننا لا نرى ما يملؤه وعندما تبقى أيدينا وعقولنا فارغةً يبادر الشيطانُ ليملأها ما لم نحن لملئها ونسد فرجاتهَا. كان مما رأيت أجداداً يتطوعون لتعريفِ الزائرين ببلدهم أو الإمساك بأيدي الصغار يعبرون الشارع للمدرسة صباح كل يوم. ليس كل هذا فقط لأن الحب يملأهم لغيرهم، ولكن هو أيضاً لهم حين يعودون إلى بيوتهم في المساء ويقصون على صغارهم الطرائفَ والمشاهد التي رأوها ويبقى إحساسهم بالحياةِ غضًّا طريَّا

وعلى العكس من هذه المناظر كان في الثمانينات عندما بدأنا العمل يقص علينا من سبقونا مشاهد تدفع للشفقة، كيف أن بعضهم لا شيء كان يدفعهم للحياة سوى الخروج كل صباح والنظرَ لحافلةِ العمل ترحل وبعدها ينكفئون نحن دورهم. كان هذا في جيلٍ لم يخط ويقرأ ويرى العالم، لكن الآن يسري التسكع في دماءِ الصغار في إجازاتِ المدارس وفي الكبار عند انقطاعهمْ عن العمل!

نحن صغاراً أم كباراً نشبه الأنبياء عندما نعمل. فهم مع امتيازهم عملوا واجتهدوا بهدف الحصول على المأكل والمشرب والملبس والمسكن. ولم يذكر التاريخ أن نبياً سأل الناس أو لم تكن لديه صنعة يكون فيها قدوةً لمجتمعه وتمنحه فرصةً للتفكر فيما عليه أن يفعلَ في الغد وفي اللحظة التالية.

مستشار أعلى هندسة بترول