آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشابُ والتفاحة

طوبى لمن تغابى عن صبيًّ عدَّ أرغفةَ الخبزِ تسعة وهي عشرة، وتعامى عن طفلٍ يدس قرصَ الخبزِ تحتَ قميصهِ من الحياء. أرغفةٌ يسرقها صبيٌّ ليسكت صوتَ معدتهِ ويهدأ من آلامها عندما تفرز عصاراتٍ تأكلْ جدرانها الخاوية. مناظر رأيناها وعشناها في الصغرِ عندما يغض الفرانُ والخبازُ أعينهم أن يروا من يسرق الخبز منهم، ويبتسمونَ حينَ يقول الفقيرُ إن عددَ الأقراصِ تسعة وهم يعلمون أنها عشرة. مناظر ربما محاها الزمنُ من حولنا ولكنها تُسود صفحاتِ العالمِ كل يوم، ملايينٌ من الجائعينَ ينتظرونَ من يبني في قلوبهم بيتاً لله كما بنى هؤلاء في قلوبنا بيوتاً! يقال أن اللهَ أوحى لنبيه إبراهيم : ابنِ لي بيتاً، فبنى إبراهيم بيتاً، وجاء الأمرُ مرةً ثانيةً وثالثة، وفي الرابعةِ قال إبراهيم: أنا يا رب بنيتُ بيوتاً! فأوحى اللهُ إليه: هل كسوتَ عرياناً؟ هل أشبعت جائعاً؟.

يتعفف الجائع ولكن في لحظاتِ الألم تنكسر كل القيود، وما عفَّ فقيرٌ إلا استغنى: جاء شابٌ إلى قناةٍ ليملأَ قربته ماءً فرأى تفاحةً تجري على الماء. أخذ الشابٌ التفاحةَ وأكلها، ولكنه توقف يفكر، كيف أكلَ التفاحةَ ولم يستأذن من صاحبها؟ أخذ يعاتب نفسه ثم مشى عكسَ مجرى الماء حتى وصلَ إلى مزرعةِ التفاح، فلقي صاحبَ المزرعةِ وقال له: إن تفاحةً كانت تطفو على الماءِ في القناة، فأخذتها وأكلتها أرجوكَ أرضَ عني!

أجابه الرجل: كلا لن أرضى عنك.

قال: أعطيكَ ثمنها.

قال: لا

وبعد الإصرارِ وافق صاحبُ المزرعةِ أن يرضَ عنه ولكن بشرطٍ واحد!

قال الشاب: فما هو الشرط؟

أجاب الرجل: عندي ابنةٌ عمياء، صماء، خرساء، مشلولة الأرجل، إذا وافقتَ أن تتزوجها أرضَ عنك وإلا فلا!

وافق الشابُ على البلاءِ العظيم جراءَ أكله تفاحةً تطفو فوقَ سطحِ الماء، وعند دخوله على عروسه فوجىء بها ذاتَ قامةٍ ممشوقة وفي غايةِ الجمال. خرج الشاب مسرعاً خشيةَ حدوث خطأٍ في الزواجِ فتحدث له مشكلةٌ أخرى وإذا بالرجل ينتظره مبتسماً قال: خيراً إلى أين؟

قال الشاب: إن البنتَ التي ذكرتَ لي وصفها ليست هي العروس التي دخلتُ عليها!

أجابه الرجل: إنها هي. لأني حينما وجدتك جاداً في جلبِ رضاي لأكلك تفاحةً خرجتْ عن ملكي وأخذها الماءُ مسافةً بعيدة، علمت إنك الشاب الذي كنتُ انتظره منذ أمدٍ لأزوجهُ ابنتي الصالحة هذه. ولقد قلتُ لك: إنها عمياء خرساء، لأنها لم تنظر ولم تكلم رجلاً أجنبياً قط. وقلتُ لك: إنها مشلولة لأنها لم تخرج من المنزلِ للتسكعِ في الطرقات، وإنها صماء لأنها لم تستمع إلى غيبةٍ أو غناء.

أجمل العطاءِ أن تُعطي مثلَ ذاكَ الذي كان يغض طرفه، ويُغلق عقله عنا، ويفتح لنا نافذةً من قلبه دونَ مِنَّةٍ صباحَ ومساءَ كل يومٍ ننفذ منها إلى حبِّ الله! وأنا كل خوفي عندما تعود الأيامُ في قسوتها مرةً أخرى، ويعود الصبي يسرق الرغيف، لا يعود من كان يغض الطرفَ ويتغاضى عن الصبي...

مستشار أعلى هندسة بترول