آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 3:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الغدُ الأجمل

لم يعجب يومَ أمس طعامُ الإفطار ابني الصغير فأحببت أن أحضر له مشهداً من دوراتِ الزمن رجاءَ ألا يركن إلى وفرةِ شيء أو قِلَّته، فإن كان وفرة الطعام وأنواعها تضجره وتحيره فإن من أرحامِ المعاناة تُولد الحياةُ ومن الضوائقِ تولد النعم. وأنا ولدت من أرحامِ المعاناة  التي لم تقتلني وخلقت عندي روحاً تَضجر من البؤس ولكنها تصنع منه وقوداً للحياة. ذلك الرحم لا يزال يلد ملايينَ البشر ليس تحديهم الأكبر أن ينهضوا من فراشِ النوم بل كيف تغرب شمسُ اليوم وقلوبهم لا تزال تنبض دون أن يسرقوا أو يجرموا. أحببت أن أقص عليه صداقتي مع البوظة التي تباع اليوم بمئات الأنواع والمذاقات!

أحببت البوظة صغيراً ولم تحببني وأحبتني كبيراً ولم أصاحبهَا. كان خارج مدرستنا الإبتدائية في الستينات من القرن الماضي يقف بائعان من الجزيرةِ أحدهما يبيع البسكويت والحلويات والثاني يبيع البوظة التي يصنعها في منزله. كان بائعُ البوظة يصنعها مع الثلج في جرةٍ من الألمنيوم ويبيعها في كأسٍ صغير بقرشين. أنا كنت من أصحاب الحظ الذين لم يحط المالُ في ساحتهم يوماً، وكنت أحوم بحياءٍ حول البائعينَ أنظر لبقيةِ الطلاب يشترونَ البوظة والبسكويت. لم أستطع مقاومةَ منظر السكر يذوب في أفواه أصدقائي فبحثت في براءة الطفولة عن غطاء علبة أسلاك كهرباء في حجم القرشين، ولكن لا يمكن أن يُغش أحدٌ بها! ناولته بائع البسكويت ونظر إليه وقال بكل عطف: يا بني هذا لا يشتري شيئاً.

هذه الذكرى وغيرها على صغارتها تحفر في عقولنا أشياءً كبار، ليس أقلها الإصرار على تغيير الحال. ويبقى خوفي أن يعود الطفلُ المدقع يبحث عن غطاءِ علبةٍ ولا يجد، وإن أعطاها البائع لن يربت على كتفيه ويعرف أحاسيس الجوع والحاجة. الثابت في الحياةِ أنها غير ثابتة فعندما تكون طريةً أفلا نكون ”عَبْدًا شَكُورًا“، وإن كانت خشنة أفلا ندعوا ”رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ“...

ليست الأثقالُ التي نحملها على ظهورنا إلا مادةً تقوينا وتشد أزرنا فلا أجملَ من الخوف الذي يعلمنا الركض والعشق الذي يسلب من أعيننا النوم والفاقةَ التي تدعونا لأن نكون في مقدمةِ الصافين في انتظار الغد الأجمل.

مستشار أعلى هندسة بترول