آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

عشبٌ أقوى منا

تعلمنا الطبيعةُ دروساً تمر في حياتنا ولو توقفنا عندها قليلاً لكان فيها عظة. تصر الأعشاب الضارة على النمو والتنوع ومقاومة الاقتلاع والموت. وهي في محاولة البقاء تستنزف غذاءَ الشجرةِ الكبيرة التي تمتد جذورها ضاربةً في الارضِ البعيدة أمتاراً من كلِّ جانب.

تنتقي لك بقعةً من الأرضِ وتنقيها من كل الشوائب وتمدها بالغذاءِ والماء ثم تزرع الشجرة. تصارع الشجرةُ كل معوقاتِ البيئة من الجفافِ والتأقلم مع التربة والرياح التي تكاد تقتلعها، وفي هذه المعركة من أجلِ البقاء يأتي العشبُ وينمو بكل أمان! يستظل بالشجرةِ ويحتمي بها، وينمو على غذائها وتعينه عواملُ البيئةِ على البقاء. يظهر من تحتِ الأرض ثم تقتلعه وتظن أنه استقر القرارُ وقضي الأمر، لكن يأتي العشبُ ذاتهُ أو صنفٌ آخر منه وكأنه قوىً شيطانية تتحد في تحدٍّ لقوى الخيرِ الكامنة في الشجرةِ ال?منة. أخطر الأعشاب ما يشبه الوردَ في رقةِ عودهِ وكثرةِ أوراقهِ وتلون أزهاره، مما يغريك بأنه ليس إلا صديق الشجرةِ الذي سوف يجلب لها الرخاءَ والسعادة قبل أن يقتلها. وربما أنت طربت له وأعنته على الحياةِ قبل أن تدرك ضرره!

لن تستطيعَ إزالةَ العشبِ من فوق الأرضِ واجتثاثه من جذوره نهائياً لأن الفضيلةَ والنور يجذب الفراشاتِ وقوى الظلام لمصدر النور مما يستدعي النظرَ في حمايةِ الشجرة وتدعيمها وقلع ما حولها من عشبٍ ضارٍ كل صباحٍ ومساء في عمليةٍ تتدرعْ بصبرِ وإصرارِ المصلحين حتى تحمي الشجرةُ نفسها.

ليست الشجرة سوى الفضيلة والعشب إلا الرذيلة وليست الشجرة سوى الفكر والعمل والعشب سوى أضداده التي تصدمنا بظهورها في حياتنا كل يوم. وهي تنبت تحت أقدامنا تقوينا وتوقفنا على أرجلنا متوثبينَ للحياةِ والكفاحِ وتحثنا أن نزرعَ أشجاراً كثيرةً حتى لا يجدَ العشبُ مكاناً تقوى فيه جذوره، وحينها يجف في يأسٍ من الحياةِ ويموت غير مأسوفٍ عليه...

تعلمت من الطبيعةِ أن بعضَ الأعشاب لا بد أن نتركها تخرج فوقَ الأرض وتستقوى حتى إذا ما اشتدَّ عودها تمكن الزارعُ من اجتثاثها من فوقِ الأرض، فيما لو تعجل اجتثاثها سوف تعود جذورها ضاربةً في الأرضِ أقوى وأصلب.

مستشار أعلى هندسة بترول