آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

سنحنح الليل

يَحكي التاريخُ أن فتاً عربياً هاشمياً قرشياً كان يصد الخيلَ مسرعةَ  ومسرجةً، ويقتل الاعداء متنقبةً متدرعةً لا تُرى إلا حدقات عيونها من النقاب وبعض الفرجاتِ في الدروع، وهو في قتالها كان يقول:

قد عرف الحرب العوان أني

بازلٌ عاملين حديث سنِّ

سنحنح الليل كأني جِني

استقبلُ الحربَ بكل فن

مَعِي سِلاَحِي وَمَعِي مِجَنِّي

وصارمٌ يذهب كل ضغن

أُقْصِي بهِ كُلَّ العُداة ِ عَنِّي

لمثلِ هذا ولدتني أمي

تقول العربُ ”سنحنح“ عن الشخص الذي لا ينام الليل. وهذا الفتى كان له زوجة عندما تنتهي الحربُ يأتي لها بسيفه،  يلقيه نحوها ويقول:

أفاطم هاكِ السيف غير ذميمِ

فلست برعديد ولا بلئيمِ

أفاطم قد أبليت في نصر أحمدٍ

وَمَرْضَاة رَبٍّ بالعِبَادِ رَحِيْمِ

أُرِيْدُ ثَوَابَ اللَّهِ لا شَيْءَ غَيْرُهُ

ورضوانه في جنة ٍ ونعيمِ

وَكُنْتُ امْرَأً أَسْمُو إِذا الحَرْبُ شَمَّرَتْ

وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ بِغَيْرِ مُلِيْمِِ

أَنَمْتُ ابْنَ عَبْدِ الدَّارِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ

بِذِي رَوْنَقٍ يَفْري العِظامَ صَمِيْمِ

فغادرتهُ بالقاع فارفض جمعهُ

وأشفيت منهم صدر كل حليمِ

وَسَيْفِيَ يَكْفِي كالشِّهابِ أَهُزُّهُ

أَجُزُّ بِهِ مِنْ عائِقٍ وصَمِيْمِ

في علم الأبدان، ما تصرفه أجسامنا من طاقةٍ فلابد أن تحصل عليه من الطعام والشراب والراحة، إلا أن هذا الفتى كان يصوم النهار القائظ في الكوفة ويفطر عند ابنته في إحدى ليالي شهر رمضان لعام أربعين للهجرة، وهي ليلة التاسع عشر منه، جاءت ابنته وقدمت إليه عند إفطاره طبقاً فيه قرصان من خبزِ الشعير وقصعة فيها لبن وملح خشن. فرغ من صلاته ثم أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرّك رأسه وبكى بكاءً شديداً عالياً، وقال: ”يا بنيّة أتقدمينَ إلى أبيكِ إدامين في طبقٍ واحد؟ أتريدينَ أن يطولَ وقوفي غداً بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة؟ أنا أريد أن أتّبع أخي وابن عمي رسول الله ﷺ، ما قدّم إليه إدامانِ في طبقٍ واحد إلى أن قبضه الله. يا بنية ما من رجلٍ طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة. يا بنية والله لا آكل شيئاً حتى ترفعي أحد الإدامين“. فلما رفعته تقدم إلى الطعامِ فأكل قرصاً واحداً بالملحِ الخشن.

عندما تنتهي طاقة الجسد وتُستهلك تشتعل طاقةُ الروح التي يمدها الغيبُ بالقوة. وفي حين ينصحنا علمُ الأبدان أن ننوع الإدام وما يدخل إلى بطوننا ونرتاح الليلَ حتى تحصل على مقوماتِ الطاقة والقوة، فربما أكلنا عشرةَ أنواعٍ من الطعام ونمنا الدهر كله، ولم نستطع حملَ سيف!

ما هو سر ذاك الفتى، علي بن ابي طالب ؟ لك كل التحايا والسلام يا علي فكثيرٌ من يبكي عليهم أناس، ولكن قليلٌ من تبكي عليهم الإنسانية...

مستشار أعلى هندسة بترول