آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 6:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

رحيل رجالٍ عرفتهم

في الشتاءِ الماضي كنت ماراً في أحدِ المستشفيات فاستوقفنيْ رجلٌ في إحدى الغرف. لم نتذكر بعضنا، لكنه عندما عَرَّفته بنفسي فاضت ذاكرتهُ وكأنَّ الأحداثَ والمشاهد عن السنواتِ التي عملنا معا في منصاتِ حفر النفط في مياهِ الخليج وصحاري المملكة كانت بالأمسِ ولم تكن قبل خمسة وثلاثين سنة. ذكرني بكل من كان معنا من العاملين والمشرفين الأمريكان القدامى الذين عملوا على منصاتِ حفرِ الآبار لدى شركة أرامكو في منتصفِ الثمانينات من القرنِ الماضي، والطُرف التي مرت علينا. قرأتُ نعيَ وفاة الرجل يومَ أمس فتذكرتُ العاملينَ بجد من جيلٍ شارفَ على الغيابِ عن مسرحِ الحياة.

كنا نعمل في صيفِ مياه الخليج، في الرطوبةِ العالية والشمسِ الحارقة، فمن يقف تحت سقف أحد محطاتِ الوقود في سيارةٍ فارهة، وينام تحتَ برودة الهواء المنبعث من المبرد قد لا يعرف المشقةَ والخطورةَ التي ترافق البحثَ عن واستخراج النفط من أعماقِ الأرض. في تلك الأجواء كان العمل يتوزع على مدار اثنا عشر ساعةٍ في اليوم من العمل المتواصل الذي يجب عليك أن تكون متيقظاً لخطورةِ وصعوبة العمل في مختلفِ محطاتِ منصة الحفر. كانت دورةُ العملِ تتطلب أسبوعين من العملِ المتواصل ثم أسبوعاً من الراحة. كنت حينها أمازح الأصدقاءَ بأني لا أعدُّ اليومَ الذي أنا فيه واليومَ الذي أغادر فيه وألعن الأيامَ الباقية.

ومع تلك الأجواء الحارة كانت فتراتُ الغداء والعشاء وما بعد العمل، فترات تملؤها النكاتُ والأحاديثُ ومحاولاتُ صيدِ السمك الذي كان يسبح ويغازلنَا أسفلَ منصة الحفر. أجواءٌ لا بد أن تكون فيها صديقاً للجميع لأن المكانَ الصغير في البحرِ الواسع لن يتسع للعداوات، ولا مهربَ من اللقاء. وعملت معهم في صحاري عين دار وشدقم والعثمانيات في لهيبِ الهواءِ الجاف في الصيف والقاسي البرودة في الشتاء. لا تختلف طبيعةُ العمل واتساع المكان إذ أنَّ البحرَ والصحراء ليس لهما حدود، ولكن في الصحراء مهربٌ للمشي في المساءِ ونوادر البدو الرُّحل من أجل خدمات بسيطة، والاحتماء من العقاربِ التي تحثها حرارةُ الرمال على الخروج.

كانت رحلة العمل تشبه السفر، فلا اتصالَ أو رؤية من تحب من حين مغادرة المنزل حتى العودة بعد أربعة عشر يوماً، وكان أكثر ما يضني في البحر مصادفة الضبابِ الكثيف يومَ العودة حين يعلمك المرحل أن طائرةَ الهيلكوبتر لن تتمكنَ من القدوم وربما عليك الإنتظار للغد. ذاك الجيل من العاملين في منصاتِ البحر وأبراج البر كما الجيل الحاضر من مختلفِ المناطق والبلدان هم يمدوننا بعناصرِ الحياة والرفاهية دون أن نعرفهم أو نعرف كم من الجهد يبذلونَ في عملهم متنقلين بين البرِّ والبحر في مخاطرَ ومشقاتٍ لا يعرفها إلا من عاش بعضاً منها!

حين عملت مع الراحل ”ناصر عيسى منصور الصايغ «المعتوق»“ والبقية من ذاك الجيل ظننتُ أني سوف أضيف لهم علماً ومعرفةً، ولكنني كنت تلميذاً في مدارسِ خبرتهم الطويلة في كل محطاتِ العمل فكنت أجرى خلفهم من محطةٍ لأخرى أسألهم ما هذا؟ وكيف يعمل ذاك؟ مرحلةٌ من الدراسة العملية عرفت بعدها أن العلمَ لا تضمه المدرسة فقط بل في كل مكان من نواحي الحياة، وكم من معلمٍ قديرٍ لم يجلس فوق كرسي صفوف المدارس! وعلمت أن ذاكرتهم لم تنسَ أيامَ عملهم القاسية ومن مَرَّ في لياليهم وأيامهم.

مستشار أعلى هندسة بترول