آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

الثلاثةُ الغوالي

كم هو مؤلمٌ أن نفقد شيئاً نفيساً في الحياة، فكيف ونحنُ نودع أيامَ شهر رمضان، يسافرعنا أحدَ عشر شهراً رجاءَ أن يعود، ونعود أنت وأنا وكلُّ الغوالي أكثرَ نضارةً وجمالاً. أشياءٌ كثيرةٌ لا تنتظرنا في الحياة وعندما تذهب ربما لا تعود، في طلائعها الطفل إذ يكبر، والصحة إن تتردى، والصلاة إن فاتت.

محاولةُ الحصول على كل شيءٍ في المدنية الحديثة أصبح ضرباً من المحال، يشبه إضرامَ النارِ من تحت الماء. ثلاثةُ أصدقاءٍ عرفتهم ندموا على ما فات: الأول كان يعمل مع شركةٍ كبيرة وهمُّه الأكبر كان الحصول على منصبٍ عالٍ فيها. وبعد أن حصل على ما أراد ندمَ أن يرى أبناءه يكبرون وهو لا يشاركهم ساعاتِ البهجةِ والفرح. يعود للمنزلِ وهم نيام، ويخرج من المنزلِ وهم نيام، فلا يراهم إلا كما يراهم الغريبُ ساعاتٍ في الأسبوعِ والشهر. وضعت المدنيةُ الحديثة أطفالنا بين المطرقةِ والسندان، بين مطرقةِ توفر مقوماتِ الحياة وبين سندانِ الحرمانِ من العاطفةِ والرعايةِ الفكرية، فانصرف الهمُّ الأكبر إلى توفيرِ متطلباتِ الحياة على حسابِ الحصولِ على الحدِّ الأدنى من العاطفةِ والرعايةِ الفكرية والجسدية.

والثاني رأيته يصارع عودةَ الصحة بعد أن أصابته آلامُ المرض، يصحو ساعةً ويمرض ساعات. الصحة متى ما ذهبت وعادت فهي في فتراتٍ من العمرِ لا تعود كاملةً وتظن أن ما يشبه الصحةَ عاد وليس هي. إن لم تكن كل خيوط الصحةِ في أيدينا، فعلينا حفظ ما استطعنا حفظه من البوار. مثل الصحة مثل البستانِ الممرع، أحاطه الله بسياج وقال: هذا الجانبُ لي وليس لكم فيهِ من الأمر شيء، وذاك الجانب لي ولكن لكم فيهِ من الأمر شيء. فإن لم نستطع العنايةَ بالجانبِ الموكل لنا رعايته فلا يجب أن تدوسه حوافرُ دوابنا وتخربه!

وثالثُ الأصدقاء استيقظت روحه وأعطاهُ اللهُ فرصةً أن ينضمَّ لصفوفِ الطالبين ربهم، ولكن ليس بإمكاننا الجزم متى توفر لنا الحياةُ فرصةَ الانعطافِ وتغيير المسار. صيادُ القضاء قد يدق جرسَ التنبيه بانتهاءِ الرحلة، ولكن ليس من طباعنا أن نستمعَ للأجراسِ ولا رؤية بياض شعور رؤوسنا كلما نظرنا في المرآة!

يأتي المالُ ويذهب ويأتي المنصبُ والزعامةُ وتزول، فإن استطعتَ ألا يفلت من بين يديك ما هو أثمن فافعل. في الثلاثة شيءٌ من فلسفةِ الزمن حين تجتمع في سني الشباب وتكون في علوها، ونظن أنها جاءت لتبقى! قد لا تذهب الأشياءُ النفيسةُ دفعةً واحدةً لكنها تنسل شيئاً فشيئاً حتى نعتاد اختفاءها وتختفي.

تعطينا الحياةُ مواقيتاً لإعادةِ الفكر فيما مضى وتحديث خطة ما هو آت، وليس أجمل من مراجعتها في العيدِ حين يتغير كل شيء في ”هذا العام“، من فصولِ السنة وطبيعة الحياة، نرى في العيدِ كيف وصلنا هنا وإلى أين نحنُ نسير. إن هذهِ الهدايا الثلاث الغوالي هي عطايا الله ودليل محبته، وإذ يكون نجاحُ الشركاتِ وازدياد ربحها بمقدار مراجعتها الدورية وتطبيقها لخططها، هكذا نحن نكون...

مستشار أعلى هندسة بترول