آخر تحديث: 17 / 8 / 2019م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

سنة أولى قيادة

هدى الشايب

قرار قيادة السيارة للمرأة السعودية كان بالنسبة لي قراراً مصيرياً أنتظرته سنينا طويلة وحرصت كثيرا وبكل الطرق أن أتمكن من القيادة مع بداية تنفيذ القرار في 10 شوال 1439 هجرية. كنت من ضمن المحظوظات اللاتي تمكٌن من قيادة السيارات في ذلك اليوم الموعود حاملة في محفظة حقيبتي رخصة القيادة الخاصة بي.

والآن وبعد مرور عام كامل على هذه التجربة الرائعة أسترجع ذكريات كثيرة. أذكر عندما طلبت مني مدرسة القيادة في شهر أبريل من عام 2018 أن أحضر الكشف الطبي الخاص باستخراج الرخصة من أحد المستشفيات المعتمدة لدى المرور، توجهت مع زوجي إلى أحد المستوصفات وبمجرد ذكر طلبنا بدأت علامات التعجب في الظهور على وجوه الموظفين وقاموا بأخباري بأنه لم يسبق أن زارتهم أمرأة تطلب الكشف الطبي الخاص بالرخصة، وقاموا بتحويلي إلى مكتب مدير المركز الذي رفض ختم نموذج الفحص مؤكداً أنه ليس لديهم أي تعليمات من المرور تسمح للنساء بطلب هذا الفحص. شرح له زوجي بأنه تم قبولي في مدرسة شركة أرامكو للقيادة وأنهم لن يسمحوا لي بأن أبدأ بالتدريب دون الحصول على فحص طبي يؤكد مقدرتي على القيادة ولكنه أصر على أن يرجع إلى المرور ويتأكد من أنه يسمح له بختم الفحص الطبي فخرجنا من المستوصف دون الحصول على مبتغانا. في اليوم التالي ذهبنا وأستلمنا الفحص الطبي المختوم بعد أن أطمئن مدير المركز بأن المرور بدأ في قبول فحوصات النساء. كان موقفا جدلياً حاداً ومربكاً، لا يغيب عن بالي ابداً ويجعلني اتذكره ضاحكة على احداثه.

تمكنت بفضل الله من اتمام ساعات التدريب واجتياز اختبار القيادة في شهر رمضان وأستخرجت الرخصة بتاريخ 10 شوال وهو اليوم الأول للنساء في القيادة. خرجت في ذلك اليوم مع والدي وزوجي وأنا أقود السيارة في شوارع الحي الذي نسكن فيه، وكلي شعور بالفخر والانجاز.

كانت عملية اختيار السيارة تستوجب التعرف على معلومات جديدة بالنسبة لي. أما بعد شراء السيارة فقد بدأ التحدي الحقيقي في الشوارع مما جعل والدتي ولأكثر من شهر تقوم بالاتصال على رقم هاتفي في تمام الساعة السابعة من صباح كل يوم لتتأكد من أنني وصلت مكتبي سالمة.

وبدأ مع هذا التحدي المنافسة اللامقصودة مع الرجل في ساحات السياقة. من وجهة نظري كان الرجال ينقسمون إلى عدة أقسام من ناحية موقفهم تجاه قيادة المرأة للسيارة. كان هناك المؤيد أو المتعاون الذي إذا وجدني أحاول إخراج سيارتي من مواقف مزدحمة وضيقة وقف خلفي وقام بارشادري باشارات يدوية لأتمكن من الخروج بسلامة. وكان هناك الرجل الذي يخشى على نفسه من نساء لايمتلكن التجربة فيحاول الابتعاد بقدر ما يستطيع عندما يجدني أمر في نفس الشارع الذي يمر فيه. وكان هناك الرجل المتعجب الذي ما زال لا يصدق أن النساء يستطعن أن يحركن مقود السيارة وكأنه أمر عظيم. وكان هناك الرجل المعارض الذي يشعر أن النساء دخيلات قمن باحتلال ممكلته الخاصة ويجب عليه وضع حد لهن.

أذكر يوماً توجهت مع أطفالي لأوصلهم إلى المدرسة في الصباح الباكر وقمت بإيقاف السيارة على جانب الطريق ونزلت معهم وبعد أن أطمئنيت عليهم عدت إلى السيارة وقد زاد الازدحام عند شارع المدرسة. بدأت في المحاولات الجاهدة للخروج من ذلك الشارع وإذا برجل في السيارة التي تقف على يساري ينادي ”أنا لا أفهم لم تخرجين من بيتك وتزيدين الزحام هنا“. شعرت بصدمة من كلامه وصراخه وإذا برجل آخر يقول له ”وهل تعتقد أن الزحام سيكون أقل لو أن زوجها أوصل الأطفال بدلاً عنها؟“.

موقف آخر كان مع رجل عند اشارة المرور، فعندما اقتربت من الاشارة تغير لونها إلى اللون الأصفر فقمت بتخفيف السرعة استعداداً للوقوف، وإذا برجل في السيارة التي خلفي يدق بوق السيارة بقوة ويتلفظ بكلام بذيء معترضاً على تخفيفي للسرعة حيث كان يريدني أن أزيد سرعتي ليتمكن هو من المرور.

كثيراً ما أعترضنا أنا وشقيقتي على طريقة قيادة أزواجنا واخوتنا، وصرنا نقدم ملاحظاتنا على ذلك، وكثيراً ما كانت هناك نقاشات ”هل يجب أعطاء إشارة قبل دخول الدوار أم لا؟“، ”في الدوار هل نقول مخرج اليمين ومخرج اليسار أم نقول المخرج الأول والمخرج الثالث؟“، وكثيراً من النقاشات المرورية المتنوعة.

مواقف حرجة كثيرة مررت بها كما مرت بها نساء كثيرات في جميع أنحاء المملكة ولكن كل تلك المواقف لا تذكر أمام الشعور الذي أشعر به عندما أجلس خلف مقود السيارة وقت أشاء واتجه إلى أي مكان أشاء دون الحاجة للاتصال بشخص اخر ليقلني بسيارته.

شعور المرور عند جسر الملك فهد الموصل للبحرين برخصة القيادة لأول مرة شعور رائع حيث اتمكن من انهاء جميع اجراءات الجوازات والجمارك بنفسي. والآن أستطيع الذهاب إلى اجتماعات العمل خارج مكتبي في أي وقت دون انتظار سائق التكسي، كما أستطيع اكمال جميع أموري بأريحية تامة.

عام من النجاح والانجاز تفخر به جميع النساء السعوديات، فشكراً لكل من شد على أيدينا وشجعنا.